موند بريس.
مع اقتراب عيد الأضحى من كل سنة، تعود إلى الواجهة معاناة المواطنين مع الارتفاع الصاروخي في أسعار الأضاحي، وسط شكايات متزايدة من المضاربات وفوضى الأسواق واستغلال الظرفية لتحقيق أرباح خيالية على حساب القدرة الشرائية للأسر التي تعيش الفقر والهشاشة، إذ رغم التساقطات المطرية المهمة التي شهدتها مختلف مناطق المملكة، والتي أعلنت نهاية سنوات الجفاف وتداعياته القاسية على القطيع الوطني، فضلا عن القرار الملكي الحكيم بعدم القيام بشعيرة الذبح خلال الموسم الماضي بما يضمن إعادة التوازن للثروة الحيوانية الوطنية، فإن الأسعار ما زالت تعرف نسبيا ارتفاعا غير مبرر، خاصة في ظل تزامن ذلك مع الغلاء الذي يطال المواد الغذائية الأساسية، وتداعيات الأزمات والحروب الدولية على الاقتصاد.
إن الإجراءات الحكومية المتخذة لضمان وفرة الأضاحي وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، رغم أهميتها البالغة، تبقى غير كافية ما لم تواكبها مراقبة صارمة للأسواق، ومحاربة حقيقية لشبكات «الشناقة» والمضاربين، الذين يحولون كل مناسبة دينية إلى موسم للاغتناء غير المشروع.
فهؤلاء المضاربون يعتمدون على التلاعب بالمعلومات وتخويف المواطنين بوجود ندرة وهمية، مع تنسيق محكم بين الأسواق على المستوى الوطني والجهوي، للتحكم نسبيا في التموين ورفع الأسعار بطرق احتيالية، في وقت يبقى فيه هامش ربح الفلاح البسيط عاديا، ولا يبرر الأثمان الملتهبة التي تصل حرارتها إلى جيب المستهلك.
إن وفرة العرض بأسواق المواشي تستوجب التفعيل الأمثل لقرار وزارة الداخلية القاضي بمنع بيع الأضاحي داخل المحلات بالأحياء السكنية، لما يرافق ذلك من فوضى واستغلال للمواطنين خارج شروط المراقبة والتنظيم، كما يتعين أيضا تفكيك شبكات السماسرة التي تستفيد من غياب الصرامة في التتبع والزجر، مع تفعيل لجان المراقبة بشكل يومي لحماية المستهلك، وضمان شفافية المعاملات التجارية.
وفي السياق ذاته، تبرز ضرورة التصدي لظاهرة الغش في تسمين الأضاحي، حيث يلجأ بعض المتلاعبين إلى استعمال أعلاف فاسدة ومواد مضرة بالصحة، من أجل التسمين السريع وتحقيق أرباح إضافية، وهو ما يهدد سلامة المواطنين ويتسبب أحيانا في فساد اللحوم مباشرة بعد الذبح، أو تعفنها في ظرف وجيز.
إن حماية صحة المستهلك لا تقل أهمية عن حماية قدرته الشرائية، ما يفرض تشديد المراقبة البيطرية ومعاقبة كل من يستهين بشروط السلامة والجودة. كما أن استقرار الأسعار وجعل الأضاحي في متناول الأسر المغربية يبقى مسؤولية حكومية بالدرجة الأولى، من خلال فرض الصرامة في مواجهة المضاربين، وردع كل أشكال الاحتكار والغش والاستغلال.
لهذا وجب على كافة الجهات المتدخلة استحضار البعد الديني والأخلاقي لهذه المناسبة المباركة، وعدم تحويلها إلى فرصة لإثقال كاهل المواطنين بمزيد من الأعباء المالية، حتى يمر عيد الأضحى في أجواء يسودها التضامن والرحمة والتكافل الاجتماعي، وهي القيم التي تميز الشعب المغربي عن غيره من الشعوب، ويتم توارثها من جيل لآخر.
قم بكتابة اول تعليق