موند بريس / ذ. عبد الله بوحنش
أدى فيديو لصحفية وجدت باب منزلها مغلقًا أمامها بسبب امتداد المصلين إلى الطريق أثناء صلاة الجمعة، إلى فتح نقاش واسع تجاوز الواقعة نفسها إلى سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة أكثر تعقيدًا:
هل يجوز أن تتحول الطرقات إلى امتداد للمساجد بما يعطل حركة الناس ويمنع بعضهم من الوصول إلى بيوتهم ومصالحهم؟
أم أن الاحتجاج على ذلك يتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى اعتراض على شعيرة دينية؟
انقسم النقاش إلى خطابين متقابلين:
خطاب يرى في صلاة الناس في الشارع اعتداءً على الملك العام ومظهرًا من مظاهر التطرف،
و آخر يرى في مجرد الاعتراض على هذا المشهد حربًا على الدين ومحاولة لمنع الناس من أداء الصلاة. وبين الخطابين تضيع، كالعادة، المنطقة التي تحتاج إلى نقاش هادئ ومسؤول.
فالصحفية التي تريد الوصول إلى منزلها ليست بالضرورة معادية للدين، والمصلّي الذي خرج من المسجد لأن المكان لم يعد يتسع له ليس بالضرورة متعديًا على المجتمع أو راغبًا في فرض حضوره على الطريق. هناك حقوق ينبغي أن تُحترم في الاتجاهين، وهناك سؤال أكبر من الواقعة نفسها يتعلق بكيفية تدبير المجال الديني داخل المجال الحضري.
من المهم التمييز بين المسألة الفقهية المتعلقة بحكم الصلاة خارج المسجد عند امتلائه، وهي مسألة لها تفصيلاتها واختلافاتها وضوابطها، وبين المسألة التنظيمية المتعلقة بكيفية استيعاب أعداد المصلين وتدبير علاقتهم بالفضاء العام. وحتى إذا كان للصلاة خارج المسجد مسوغ في بعض الحالات، فإن ذلك لا يلغي حق الناس في المرور والوصول إلى مساكنهم، كما أن حق الناس في المرور لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للتشكيك في شعيرة دينية.
هنا ينبغي أن نقلب السؤال: بدل أن نسأل فقط لماذا يصلي الناس في الشارع، يجب أن نتساءل لماذا وصلنا أصلًا إلى أن يصبح الشارع امتدادًا متكررًا للمسجد؟
الأرقام المتداولة حول شبكة المساجد في المغرب تضع أمامنا معطى جديرًا بالتأمل:
يتوزع 51,403 ، حسب إحصائيات وزارة الأوقاف، على التراب الوطني، منها حوالي 24,106 مساجد جامعة تقام فيها صلاة الجمعة والصلوات الخمس، مقابل نحو 27,748 مسجدًا تقتصر فيها الصلاة على الصلوات الخمس. أي أن حوالي 54% من مساجد المملكة لا تُقام فيها صلاة الجمعة. وهنا تكمن إحدى مفارقات الموضوع!
فالمواطن الذي يؤدي صلواته اليومية في مسجد حيه يجد أبواب هذا المسجد مفتوحة له طوال الأسبوع، لكنه عندما يأتي يوم الجمعة لا يجد فيه صلاة الجمعة، فيضطر إلى الانتقال إلى مسجد آخر تقام فيه هذه الشعيرة. وتبعاً لهذه الخريطة، فإن نسبة هامة من مرتادي المساجد يضطرون إلى الانتقال إلى مسجد آخر يوم الجمعة لإقامة هذه الفريضة، حيث أن أكثر من نصف شبكة المساجد بالمغرب لا تستقبل مرتاديها لصلاة الجمعة، فيتجمع هؤلاء في مساجد لا تستوعب أعدادهم.
وبعبارة أخرى، نحن لا نتحدث فقط عن مصلين يختارون، بإرادتهم، الذهاب إلى مسجد بعيد؛ بل عن نظام تدبيري يجعل جزءًا كبيرًا من سكان الأحياء ينتقلون من مساجد القرب التي اعتادوا الصلاة فيها إلى مساجد أخرى كل يوم جمعة. وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل يتناسب هذا التوزيع مع الخريطة السكانية والعمرانية الحالية؟
هل تتناسب الطاقة الاستيعابية لمساجد الجمعة مع أعداد السكان الذين تخدمهم؟
هل من المنطقي أن توجد داخل حي واحد مساجد متعددة تقام فيها الصلوات الخمس، بينما يتجه سكان الحي يوم الجمعة إلى مسجد واحد أو عدد محدود من المساجد، فتتجاوز أعدادهم قدرة هذه المساجد ومحيطها؟
إذا كان المسجد الذي يؤدي فيه المواطن الصلوات الخمس طوال الأسبوع لا تقام فيه الجمعة، فإن انتقاله يوم الجمعة إلى مسجد آخر أمر متوقع. وإذا كان المسجد الآخر لا يتسع لجميع القادمين إليه، فإن امتداد الصفوف إلى الأرصفة والساحات والطرقات يصبح نتيجة يمكن توقعها أيضًا. وهنا لا يعود امتلاء الشوارع مشهدًا منفصلًا عن سياسة توزيع أماكن العبادة، بل يصبح، في بعض الحالات، نتيجة محتملة لطريقة تنظيمها. ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى تحويل كل مسجد إلى مسجد جمعة بلا ضوابط، وإنما بطرح سؤال تخطيطي مشروع: لماذا لا تتم مراجعة خريطة مساجد الجمعة بصورة دورية، وفق النمو الديمغرافي والعمراني للأحياء، وحجم الإقبال، والطاقة الاستيعابية للمساجد؟
فمساجد القرب ليست مجرد بنايات للصلاة اليومية؛ إنها جزء من النسيج الاجتماعي للحي. وإذا كانت الحاجة تقتضي، وفق المعايير الشرعية والتنظيمية، أن تتحول نسبة من هذه المساجد إلى مساجد جامعة، فإن ذلك قد يخفف الضغط عن المساجد الكبرى، ويقلل انتقال أعداد كبيرة من السكان، ويحد من الاختناق المروري الذي يتكرر في بعض المناطق كل جمعة. فالجمعة حدث أسبوعي معروف زمانه، ويمكن توقع حجم الإقبال عليه في كل حي. ولذلك فإن التعامل معه ينبغي ألا يبدأ عند امتلاء المسجد ووصول الصفوف إلى الشارع، بل قبل ذلك بكثير، من خلال تخطيط استباقي يراعي عدد السكان والطاقة الاستيعابية وشبكة الطرق ومخارج الأحياء وممرات الطوارئ.
من هنا ينبغي ألا نضع المواطن في مواجهة المواطن. من يريد الصلاة له حقه، ومن يريد الوصول إلى منزله له حقه، ومن يحتاج إلى المرور بسيارته أو بسيارة الإسعاف له حقه أيضًا. والمصلون وأصحاب البيوت والمارة جميعهم مواطنون، ولا ينبغي أن تتحول ممارسة حق إلى إلغاء حق آخر. كما ينبغي أن نتحرر من لغة التخوين المتبادلة. فليس كل من احتج على إغلاق الطريق محاربًا للدين، وليس كل من دافع عن المصلين متطرفًا أو متساهلًا في احترام الملك العام. المشكلة ليست في الدين، وليست في المواطن الذي يطالب بحقه؛ المشكلة حين نعجز عن تنظيم المجال بطريقة تجعل الحقوق تتعايش بدل أن تتصادم.
والأخطر أن تتحول صورة واحدة إلى مادة لتغذية خطابين متناقضين: خطاب يريد أن يرى في كل حضور ديني في المجال العام علامة تطرف، وخطاب مضاد يريد أن يرى في كل نقد لسلوك مرتبط بالدين عداءً للإسلام. وكلاهما يختزل قضية اجتماعية وتدبيرية معقدة في معركة أيديولوجية لا تنتج حلًا. إن احترام الشعائر لا يعني إعفاء المجال العام من التنظيم، كما أن احترام المجال العام لا يعني التضييق على الشعائر، فالمطلوب ببساطة هو أن تكون لدينا مدينة تتسع للاثنين.
ولهذا فإن الواقعة التي أثارت الجدل قد تكون فرصة لطرح أسئلة أكثر جدية من سؤال «من المخطئ؟»: كم عدد المساجد التي تستوعب صلاة الجمعة في كل حي؟ وما طاقتها الاستيعابية؟ وكم عدد السكان الذين تخدمهم؟ وكم يضطرون إلى الانتقال إلى مسجد آخر؟ وما المسافة التي يقطعونها؟ وما أثر ذلك على حركة السير؟ وهل تحتاج خريطة مساجد الجمعة إلى مراجعة بناء على هذه المعطيات؟ هذه هي الأسئلة التي يمكن أن تنقل النقاش من فضاء الانفعال إلى فضاء السياسة العمومية.
فالطريق لا ينبغي أن يصبح خصمًا للمسجد، والمسجد لا ينبغي أن يصبح خصمًا للطريق. والمواطن الذي يطالب بفتح باب منزله ليس بالضرورة ضد الصلاة، والمصلّي الذي وجد نفسه خارج المسجد ليس بالضرورة معتديًا على الملك العام. المشكلة الحقيقية ليست أن المصلين خرجوا إلى الشارع؛ بل أن جزءًا كبيرًا من المصلين يضطر أصلًا إلى مغادرة مسجد القرب يوم الجمعة بحثًا عن مسجد تُقام فيه الفريضة، ثم قد يجد نفسه أمام مسجد ممتلئ، فيمتد إلى فضاء صُمم للمرور لا للصلاة.
فإذا كانت لدينا أكثر من 51 ألف مسجد، فلماذا لا نسأل كيف يمكن أن نجعل هذه الشبكة الواسعة أكثر قدرة على استيعاب حاجات السكان، بدل أن نترك أعدادًا كبيرة تتجه كل جمعة إلى نقاط محدودة ثم نبدأ في محاكمة المشهد بعد وقوعه؟ ربما لا نحتاج فقط إلى منع الصلاة في الشارع، بقدر ما نحتاج إلى منع الحاجة إلى الصلاة في الشارع. وهذا لا يتحقق بالمنع وحده، ولا بالاحتجاج وحده، ولا بالتخوين المتبادل، وإنما بالتخطيط الجيد، وتوزيع أكثر عقلانية للخدمات الدينية، وتنظيم مسؤول للفضاء العام، واحترام متبادل لحق الناس في العبادة وحقهم في الحياة اليومية.
فالسؤال الأعمق ليس: هل نسمح للصلاة أن تصل إلى الشارع؟ بل: لماذا لم نستطع، بعد كل هذا العدد من المساجد، أن نجعل المسجد هو المكان الذي يستوعب المصلّي، والطريق هو المكان الذي يمر فيه المواطن؟
قم بكتابة اول تعليق