موند بريس/ دة / سعاد السبع
– حين يؤذي الإنسان ليبقى متماسكا
(مقاربة سوسيونفسية وسوسيواجتماعية في دوافع العدوان اليومي)..
– لا يعدّ الإيذاء فعلا عابرا، ولا مجرد انزلاق أخلاقي فردي، بل غالبا ما يكون عرضا لبنية نفسية تتغذى من سياق اجتماعي مأزوم. فالإنسان لا يسيء في الفراغ، ولا يولد معتديا بمعزل عن تاريخه الذاتي ومحيطه الرمزي. من هنا يصبح سؤال الإيذاء سؤالا مزدوجا:
ماذا يحدث داخل الفرد؟ وماذا يتيح له المجتمع أن يفعل؟
أولا: المقاربة السوسيونفسية – حين يعجز الداخل عن الاحتمال
من منظور التحليل النفسي، لا ينبع السلوك العدواني من فائض قوة، بل من فائض هشاشة غير معترف بها. فالشخص الذي يكثر من التقليل، التشكيك، الإهانة أو الخيانة، غالبا ما يعيش صراعا داخليا بين صورة ذاتية يرغب في تصديقها، وشعور دفين بعدم الكفاية.
وقد أشار فرويد إلى أن الأنا حين تُحاصر بقلق يفوق قدرتها على الاستيعاب، تلجأ إلى آليات دفاعية بدائية. والعدوان في هذا السياق ليس إلا إزاحة للتوتر نحو الآخر، بدل مواجهته في الذات.
يؤكد كارل يونغ هذا المعنى حين يقول إن «الظل هو كل ما نرفض الاعتراف به في أنفسنا». وحين يشتد حضور هذا الظل يبحث عن هدف خارجي يُسقَط عليه. الآخر هنا لا يُهاجَم لأنه يستحق، بل لأنه أقرب مرآة مكشوفة.
الإسقاط كقلب للحقيقة النفسية
في كثير من حالات الإيذاء نلاحظ آلية إسقاط واضحة: الأنانية تُنسب للغير، الضعف يُقنّع باتهام، الغيرة تتحول إلى تخوين. وقد عبّر لاكان بشأن العدوان كونه ينشأ داخل علاقة خيالية بالآخر، حيث يصبح وجوده في حد ذاته تهديدا لتماسك الأنا.
الإيذاء هنا ليس موجّها للآخر بقدر ما هو محاولة فاشلة لترميم صورة ذاتية متصدعة. وكلما فشل الترميم، تكرّر العدوان.
ثانيا: المقاربة السوسيواجتماعية – حين يمنح المجتمع الإيذاء شرعيته
غير أن التحليل النفسي وحده لا يكفي. فليس كل هشٍّ مؤذيا، ولا كل متألمٍ معتديا. هنا يتدخل العامل الاجتماعي بوصفه مُسهِّلا أو كابحا للسلوك العدواني.
ففي مجتمعات تُكافئ الصوت الأعلى، وتشرعن الإقصاء، وتخلط بين القوة والقسوة، يصبح الإيذاء عملة اجتماعية. يكتسب فيها المعتدي مكانة أو نفوذا أو شعورا زائفا بالتفوق. وقد أشار بيير بورديو إلى أن العنف الرمزي يُمارس غالبا دون وعي داخل علاقات قوة غير متكافئة حيث يُنظر للإهانة بوصفها “حقًا”.
وفي هذا السياق لا يعود الإيذاء خللا فرديا فقط، بل نتاجا لبنية اجتماعية تُطبع العدوان وتعيد إنتاجه.
الجماعة كغطاء نفسي
الجماعة حين تفقد بوصلتها القيمية تتحول إلى حاضنة للإيذاء. التنمر، التشهير، الإقصاء… كلها ممارسات تجد في الجماعة تبريرها:
“الكل يفعل ذلك”،
“هو يستحق”،
“نحن نحمي أنفسنا”.
وهنا يُصاب الضمير الفردي بالتعطيل كما وصفته حنة آرندت حين تحدثت عن “تفاهة الشر”، حيث يصبح الأذى ممارسة عادية بلا شعور بالذنب، لأنه مُوزَّع على الجميع.
هل يمكن الحديث عن متلازمة؟
من زاوية تكاملية يمكن الحديث عن نمط عدواني مركّب: هشاشة نفسية داخلية + سياق اجتماعي مُبيح = سلوك إيذائي متكرر.
هذا النمط لا يتشكل فجأة، بل يُبنى عبر الزمن ويستمد استمراريته من غياب المساءلة، سواء النفسية أو الاجتماعية. إنه ليس مرضا بالمعنى الإكلينيكي لكنه اختلال في التوازن بين الفرد وبيئته.
الإيذاء كاستراتيجية بقاء
المفارقة المؤلمة أن كثيرا من المعتدين لا يملكون أدوات أخرى للبقاء النفسي. فالإيذاء يمنحهم شعورا مؤقتا بالتماسك، بالسيطرة وبالوجود. لكنه تماسك هش يتطلب ضحايا جددا باستمرار.
وقد لخّص إريك فروم هذا المأزق حين قال إن الإنسان حين يعجز عن أن يكون، يختار أن يملك… أو أن يُخضع.
فهم لا يُبرِّئ… بل يُحصِّن
إن تفكيك هذه الديناميات لا يهدف إلى تبرير الإساءة، بل إلى تحرير المتلقي من وهم الذنب، وإعادة المسؤولية إلى موضعها الحقيقي. فالإيذاء في جوهره لا يقول الكثير عن الضحية، لكنه يكشف الكثير عن عجز المعتدي، وعن مجتمع لم يتعلم بعد كيف يحمي أفراده من بعضهم.
خاتمة
ليس كل من يؤذي مريضا، لكن الإيذاء المتكرر علامة خلل.
وليس كل خلل فرديا، فبعضه نتاج ثقافة تُطبّع القسوة وتخشى الهشاشة.
وحين نمتلك هذا الوعي المركّب، نتحرر من الصدمة، ونستعيد موقعنا النفسي بأن نضع الحدود دون عداء، ونفهم دون تبرير، ونختار السلام الداخلي… لا لأن الآخرين طيبون، بل لأننا لم نعد نحتاج إلى أن ندفع ثمن فوضاهم.
قم بكتابة اول تعليق