موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في عالم العلاقات الإنسانية، لا يزال الحب قادرا على أن يكشف أكثر صوره تعقيدا والتباسا. ومن بين الظواهر التي تأسر الباحثين وتستوقف الممارسين النفسيين، تبرز متلازمة ستوكهولم العاطفية. وهي شكل من أشكال التعلّق المرضي، حيث تنشأ علاقة تعاطف وولاء بين الضحية والطرف المسيء، فيتحول الأذى إلى رابط، والسيطرة إلى اهتمام، ويصبح الألم جزءا طبيعيا من العلاقة.
ورغم ولادتها كمفهوم في علم الجريمة عقب عملية احتجاز رهائن في السويد سنة 1973، إلا أنها اليوم تُستخدم أيضا لفهم أنماط من العلاقات العاطفية التي تُماثل في بنيتها علاقة الأسير بسجّانه.
من الألم إلى الارتباط: كيف تتشكل المتلازمة؟
ترى عالمة النفس باتريشيا هايندز أن “العقل البشري حين يعجز عن الهرب من مصدر الخطر، يبدأ في خلق معنى إيجابي لهذا الخطر ليخفف من رهبته”.
وهذا المبدأ هو الأساس الذي تقوم عليه متلازمة ستوكهولم العاطفية:
حين يتعرض شخص لإيذاء عاطفي متكرر:
إهانة، تجاهل، تهديد بالهجر، سيطرة، تقليل قيمة…ثم يجد من الطرف المؤذي لحظات نادرة من اللطف أو الاعتذار، يبدأ العقل في التمسك بهذه اللحظات بوصفها “دليل حب”.
يقول عالم النفس ليون فستنغر صاحب نظرية التنافر المعرفي: “حين لا يكون السلوك قابلا للتغيير، يبدأ الإنسان بتغيير تفسيره لهذا السلوك.”
وهذا بالضبط ما يحدث هنا: العقل يبرر، والقلب يتشبث، وما بينهما تتشكل علاقة غير متوازنة لا يصمد فيها إلا الطرف الأكثر ألما.
البيئة النفسية والاجتماعية التي تحتضن المتلازمة
تتغذى هذه الظاهرة على عدة محددات:
1. انخفاض تقدير الذات
الأشخاص الذين نشؤوا داخل بيئات نقدية جامدة أو محرومة عاطفيا غالبا ما يطبعون علاقتهم مع الأذى. تقول المعالجة النفسية ميلاني كلاين: “الطفل الذي لا يتلقى حبا كافيا يبحث لاحقا عن أي حب ولو كان مشروطا بالألم.”
2. الخوف من الهجر
فتجارب الهجر السابقة خاصة في مرحلة الطفولة تجعل الضحية تتمسك بالمسيء خشية فقدانه، فتقبل بأدنى درجات التقدير.
3. الخطاب الاجتماعي المضلل
المقولات الشعبية مثل: “تحمّلي من تحبين”، “الرجل يغار لأنه يحب”، “الصمت حكمة”…
كلها تخلق بيئة مثالية لانتشار المتلازمة، إذ يتم تأطير الأذى كجزء “طبيعي” من العلاقة.
4. التطبيع مع السيطرة
يرى عالم الاجتماع زيغمونت باومان أن “العلاقات السائلة” في زمننا المعاصر تجعل الناس أكثر خوفا من الوحدة، فيتقبلون علاقات مسيئة لأنها أقل رعبا من الفراغ.
كيف تبدو العلاقة تحت تأثير المتلازمة؟
تأخذ العلاقة شكلا من التماهي مع المعتدي. ومن أبرز علاماتها:
* تبرير السلوكيات المؤذية باستمرار
* تصغير الإهانات وتحويلها إلى “ردود فعل طبيعية”
* الانعزال عن العائلة والأصدقاء دفاعا عن الطرف المسيء
* الإحساس بالذنب عند التفكير في المغادرة
* المثالية المفرطة للحظات اللطف القصيرة
* الدفاع المستميت عن المسيء أمام من يفضح سلوكه
تقول المحللة النفسية جوديث هيرمان في هذا الشأن: “الضحية لا تتمسك بالمعتدي لأنه يمنحها الأمان، بل لأنها تعتقد أنه مصدر الأمان الوحيد الممكن.”
المقاربة السوسيونفسية: ماذا يحدث داخل المجتمع؟
على المستوى الاجتماعي، تنشأ متلازمة ستوكهولم العاطفية حين تُقمع خيارات النساء والرجال في الانفصال، فيُصوَّر البقاء في علاقة مؤذية كنوع من “الوفاء” أو “تحمّل المسؤولية”، ويُنظر إلى المغادرة باعتبارها فشلا.
أما نفسيا، فهي دفاع ذاتي بدائي يحاول من خلاله العقل تحويل الخطر إلى علاقة مفهومة كي لا ينهار.
ويؤكد عالم النفس بيتر ليفين المتخصص في الصدمات أنه: “حين يشعر الإنسان بالعجز عن الهرب، يبدأ جهازه العصبي في خلق رابط مع المعتدي لحماية نفسه من الانهيار الكامل.”
كيف نكسر الحلقة؟ الطريق نحو التعافي
تكمن الخطوة الأولى في التسمية: الاعتراف بأن العلاقة مؤذية، وأن “الاهتمام المتقطع” ليس حبا، بل هو ما يسميه عالم النفس دونالد وينيكوت بـ “الرعاية المشروطة”.
1. إعادة بناء الحدود
استعادة القدرة على قول “لا”، وإعادة تقييم الذات بعيدا عن نظرة المعتدي.
2. الدعم الاجتماعي
كسر العزلة التي يفرضها الطرف المسيء لأن الضحية تتعافى حين تجد مرآة جديدة تعيد تعريف قيمتها.
3. العلاج النفسي
تفكيك جذور التعلق المرضي خاصة جذور الطفولة المرتبطة بالخوف من الفقد والاحتياج الشديد للحب.
4. التعلم التدريجي للانفصال
فكّ الارتباط لا يحدث بضغطة زر، بل عبر خطوات صغيرة تعيد للإنسان قدرته على اتخاذ القرار.
في الختام… حين يصبح الحب قيدا
متلازمة ستوكهولم العاطفية ليست ضعفا، بل جرحا نفسيا عميقا تُخفيه لغة العاطفة.
وليست “حبا زائدا”، بل خوفا متجذّرا من فقدان العلاقة.
وهي ليست حالة نادرة، بل تجربة يعيشها كثيرون دون أن يمنحوها اسمها الحقيقي.
تقول الباحثة لورين سميث: “أخطر العلاقات ليست تلك التي تؤذينا، بل التي تُقنعنا أننا بحاجة إلى هذا الأذى كي نشعر بأننا محبوبون.”
قم بكتابة اول تعليق