موند بريس / ذ: عبد الله بوحنش
“من أسهل طرق اكتساب الشعور بالتفوق، التقليل من شأن الآخرين.” تختزل هذه المقولة للفيلسوف برتراند راسل الكثير مما يعتمل في الفضاء الرياضي العربي والإفريقي اليوم، وتحديدًا في تلك المساحة المشحونة بالجدل المحيط بالمنتخب المغربي لكرة القدم. فليس أصعب على الوعي الجمعي من أن يعيد ترتيب “تراتبية المكانة” التي استقرت طويلًا في الأذهان؛ إذ تتقبل النفس البشرية بطبعها الفشل إذا كان مألوفًا ومتوقعًا، لكنها تجد غصة حقيقية في تقبل النجاح إذا جاء ممن لم تعتد رؤيته على منصات القمة. من هنا بالتحديد، يولد ذلك التدفق الصاخب من حملات التشكيك والتبخيس التي تبثها بعض المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، وهي حملات – بطبيعة الحال – لا يمكن تعميمها على الشعوب العربية والإفريقية التي ما زال ملايينها يرون في التوهج المغربي مرآة لنجاحهم الذاتي، لكن وجود تلك الأصوات المرتفعة والممنهجة بات ظاهرة بنيوية تستدعي التفكيك، ولا يمكن اختزالها في خانة “الحسد” الضيقة.
لفهم هذا الحراك السوسيولوجي، يسعفنا مفهوم “الرأسمال الرمزي” لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، وهو ذلك الرصيد المعنوي والاعتباري الذي يمنح صاحبه سلطة وجاذبية داخل محيطه. ففي عالم الساحرة المستديرة، لا تُقاس القوة بالبطولات المادية والكؤوس فحسب، بل بتلك “الهيبة والكاريزما الكروية” التي تفرضها على المنافسين. وعندما كسر المغرب السقف الزجاجي وبات أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم في مونديال قطر، ثم واصل الحفاظ على نسقه الفني العالي، لم يكن يجني نقاطًا في تصنيف “الفيفا” فحسب، بل كان يراكم رأسمالًا رمزيًا جديدًا يعيد صياغة موازين القوى في المنطقة برمتها. وهنا بدأت نقطة الاحتكاك؛ فالأقطاب التقليدية والهيمنة الرمزية، تمامًا كالهيمنة السياسية والاقتصادية، لا تتنازل عن قلاعها بسهولة، وأي صعود لقطب جديد يفرض آليًا إعادة توزيع موازين النفوذ، مما يولد “مقاومة نفسية” شرسة لدى أطراف اعتادت احتكار صورة “المنتخب الأكبر” أو “القوة الكروية الأولى”.
وتتدخل سيكولوجيا “المقارنة الاجتماعية” لتفسير هذه المقاومة، فالذات الجمعية لا تقيس نجاحها بمعايير مجردة، بل بموقعها النسبي مقارنة بالـ “الآخر” القريب، وحين يتقدم هذا الآخر بخطوات عملاقة إلى الأمام، يتولد لدى الباقين شعور وهمي بالتراجع والخسارة، حتى وإن ظلت أرقامهم ثابتة. ومن هنا، تهرع آليات الدفاع النفسي لتخفيف وطأة هذا التفوق، فيصبح من الأسهل ذهنيًا وعاطفيًا “شيطنة النجاح” وعزوه إلى كواليس التحكيم، أو المحاباة القارية، أو ضربات الحظ والمصادفات، بدل الاعتراف بأنه ثمرة مشروع رياضي رصين وممتد. هذا السلوك الإنساني ليس بدعة في محيطنا، بل هو نمط متكرر في التاريخ الرياضي؛ فعندما هيمنت إسبانيا عالميًا قيل إنها “تشتري الحكام”، وحين عبث جيل برشلونة الذهبي بالخصوم اختُزلت عبقريته في مؤامرات رعاية قمصانهم، وحتى فرنسا حين توجت بمونديال 2018 حُورب إنجازها بخطاب عنصري ينسب الفضل لأصول اللاعبين الإفريقية لا للمنظومة الكروية. إنها الحيلة الأزلية للعاجز عن مجاراة النسق الفني، فيلجأ إلى تمييع إنجاز الآخر ليتساوى الجميع في “مظلمة افتراضية” مريحة.
وما كان لهذه الظاهرة أن تكتسب هذه الشراسة لولا بيئتها الحاضنة المتثملة في الإعلام الرقمي الجديد وخوارزميات “اقتصاد الانتباه”؛ فنحن نعيش في عصر لا تكافئ فيه التكنولوجيا الحقيقة الوازنة، بل تكافئ “الاستفزاز المربح”. إن الحديث عن “مشروع كروي مغربي” يعتمد على البنية التحتية، والتكوين المستدام في أكاديمية محمد السادس، هو حديث عقلاني وممل لا يدر تفاعلًا، بينما العناوين الصادمة والمؤامرات المتخيلة تلهب العواطف وتضمن تصدر “التريند”. لقد تحول التشكيك في المغرب إلى تجارة إعلامية رابحة تدر ملايين المشاهدات، مستغلة حقيقة أن المحتوى الصدامي يحظى بنسب انتشار تفوق الخطاب الهادئ بأضعاف مضاعفة.
وفي المقابل، تتجلى مفارقة لافتة في سلوك الإعلام الرياضي المغربي، الذي تميز تاريخيًا بنوع من النضج والبرود الإيجابي؛ فلم نشهد حملات ممنهجة لتبخيس إنجاز الجزائر في ثمن نهائي مونديال 2014، أو نتائج مصر وتونس والسعودية اللافتة في محطات مختلفة، بل قوبلت دائمًا بالاحتفاء الشعبي والرسمي. والسبب هنا بنيوي وعميق؛ فالثقافة الرياضية الواثقة والمسنودة بمشروع حقيقي على أرض الواقع لا ترى في نجاح الجار تهديدًا لوجودها، بل ترى فيه إثراءً للمجال الإقليمي المشترك. إن الخطورة الحقيقية لهذه الحملات الممنهجة لا تكمن في قدرتها على النيل من معنويات “أسود الأطلس”، بل في كونها تـُظهر أزمة فكرية وأخلاقية في فهم معنى المنافسة؛ فالمنافسة الصحية تدفعك لتطوير أدواتك للحاق بالمتفوق، أما المنافسة المريضة فتسعى لسحب المتفوق إلى الأسفل حتى يطمئن الجميع في قاع المتساويين. في النهاية، لا تُقاس قيمة المشاريع الكبرى بعدد المصفقين لها، بل بقدرتها على إحداث موجات ارتدادية وإرباك السائد، وإذا كان المنتخب المغربي قد بات محورًا لهذا السجال الصاخب، فذلك أسطع دليل على أن حضوره لم يعد طفرة عابرة في ليلة مونديالية، بل استحال واقعًا هيكليًا يفرض على الجميع إعادة تعريف موازين القوى. والتاريخ الرياضي علمنا دائمًا حقيقة واحدة: أن الضجيج يملأ المدرجات وينتهي بصافرة الحكم، أما الإنجاز، فيسكن الذاكرة ويكتب التاريخ.
قم بكتابة اول تعليق