موند بريس.
من أنقرة، ومن على منصة القمة المنعقدة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب “دفن” “مذكرة التفاهم” مع “جثة” المرشد وولايته التي تشرذمت… وبدأ يتنازعها من كُتبت لهم الحياة، المرهونة حالياً بخيار ترامب الانتقال من تفعيل الزر الأحمر إلى اللون الأخضر، عندها ينهي ما تبقى من رجالات اعتُبروا في مصاف الصقور، والذين يتصدرهم محمد باقر قاليباف، الذي يتصدر مشهد المواقف التصعيدية، ويتحدى الرئيس ترامب بتأكيده أن “المضيق لن يُفتح إلا بموجب ترتيبات إيرانية”، معتبراً هذه الجغرافيا بمثابة “القنبلة النووية السياسية” لطهران.
لم يمر إعلان ترامب انتهاء الهدنة مع طهران، من قلب أنقرة، وبمباركة أعضاء حلف “الناتو”، بلهجة دبلوماسية، بل خرج بقصفٍ عالي النبرة، مستخدماً توصيفات لم يستعملها سابقاً… فقد وصف المسؤولين الإيرانيين بأنهم “مرضى وحثالة وأشرار”، وأنهم “لو امتلكوا سلاحاً نووياً لاستخدموه”، معتبراً أن “التعامل معهم مجرد مضيعة للوقت”، وجزم بانتهاء مرحلة المرونة بقوله: “بالنسبة لي، الأمر انتهى”.
سرعان ما تُرجم كلامه على الأرض من خلال تحرك القيادة المركزية، التي كانت قد حصلت منه على ضوء أخضر في وقت سابق، عندما أطلقت طهران مسيّراتها باتجاه المضيق، لتنهي مرحلة الهدنة الهشة… وهنا يُطرح السؤال: هل إن إعلان ترامب هذا مجرد رفع لسقف التفاوض من جانبه، مع ترك الباب مفتوحاً أمام المفاوضين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف لإدارة مرحلة ما بعد الضربات التي تكررت بعنف كبير؟ وهل أنهى ترامب لعبة المناورة التي ما زال الإيراني يعتمدها في التعامل معه، أم أنه أراد هذه المرة الحسم، إما التفاوض تحت النار وبشروط البيت الأبيض، أو مواجهة “بداية النهاية”؟
من خلال متابعة هذه التطورات، يبدو واضحاً أن ترامب اختار توقيت تفعيل استراتيجيته التي طغى عليها المد والجزر في التعامل مع النظام الإيراني، خلال قمة “الناتو” التي كان يهدد بالخروج منها… وقد تمكن، أمس، من دفع أعضاء الحلف إلى الوقوف خلفه في القرارات التي سيتخذها، وبدا واضحاً وصريحاً في مضمون البيان الختامي للقمة، من خلال مطالبة طهران باحترام “حرية الملاحة”، ومنعها المطلق من حيازة “سلاح نووي”، وسط تأييد علني لافت من الأمين العام للناتو، مارك روته، الذي وصف الضربات بأنها “خطوة ضرورية” لحماية خطوط التجارة الدولية.
لبنان على قارعة الاشتعال
مع إعلان القيادة المركزية الأميركية انتهاء الجولة الثانية من الضربات على أكثر من 90 موقعاً حساساً، شملت أنظمة دفاع جوي، ومنشآت صاروخية، وقدرات بحرية، وبنى تحتية، يبقى الترقب سيد الموقف، لا سيما مع إعلان ترامب تلقيه اتصالاً من الإيرانيين. فهل يعود المفاوضون، الذين ترك لهم ترامب فتحة ضيقة للعودة إلى المشهد التفاوضي، أم أن قطار التسوية قد خرج عن سكته نهائياً؟
هذه التطورات العسكرية، التي طوت صفحة الهدوء النسبي على الجبهة الإيرانية، قد تنسحب على خط ذراعها “حزب الله”، الذي ما زالت طهران تتمسك به، في وقت غابت فيه إسرائيل عن مشهد الضربات التي كانت تشارك فيها واشنطن، رغم تأكيد نتنياهو أن عملياته ضد إيران ووكلائها لم تنتهِ بعد…
هذا التريث الإسرائيلي قد يوضع في إطار انتظار نتائج المفاوضات المقرر عقدها في روما بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، والتي يُنتظر أن تبحث في تنفيذ ما اتُّفق عليه لناحية المناطق التجريبية، التي ما زالت تواجه تعثراً. فهل تشعل طهران الجبهة الجنوبية، وتخرق “اتفاق الإطار” قبل موعد التفاوض، لتطيح بما تمّت مراكمته خلال الجولات الخمس، وتعيد إشعال الفتيل الذي تنتظره إسرائيل؟ أم أن اللغم سينفجر قبل وصول المفاوضات إلى روما؟
قم بكتابة اول تعليق