تقليص حجم الأطروحات: جدل إصلاحي يعالج القشرة وينسى اللبّ

موند بريس / دة: سعاد السبع

عاد مشروع تقليص حجم الأطروحات الجامعية إلى الواجهة بوصفه خطوة إصلاحية مفترضة لتجويد البحث العلمي. غير أن هذا المقترح برغم نواياه التنظيمية يثير تساؤلات عميقة:
هل تُصلح أزمة إنتاج المعرفة بتحديد عدد صفحاتها؟
وهل تُعالج الاختلالات البنيوية بإجراءات تقنية لا تلامس جذور المشكلة؟

إنّ النقاش حول حجم الأطروحات ليس نقاشا حول “كم نكتب”، بل حول “كيف نبحث” و”في أي سياق نُنتج المعرفة”. ولهذا تبدو الخطوة في نظر العديد من الباحثين محاولة لإعادة ترتيب الواجهة بدل ترميم البناء نفسه.

أولا: إصلاح يركّز على الشكل ويغفل المضمون.

لا يمكن تفسير أزمة البحث العلمي من خلال تضخم عدد الصفحات. فضعف جودة الأطروحات لا يرتبط بالحجم، بل يرتبط أساسا بضعف التكوين المنهجي، وتفاوت التأطير، وغياب بيئة بحثية محفّزة.

إن تقليص الأطروحة قد يمنح انطباعا بالتنظيم، لكنه لا يخلق شرطا واحدا لتحسين جودة المعرفة.
بل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية خاصة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث يحتاج الباحث إلى مساحات تحليلية واسعة لتفكيك مفاهيم معقدة، وشرح سياقات متشابكة، وبناء أطروحات تفسيرية متماسكة.

فكيف يمكن لنص مكثّف ومضغوط أن يفي بحقوق موضوع يتطلب بطبيعته تأمّلا معمقا واشتغالا مفهوميا ممتدا؟

ثانيا: استحضار التجارب الدولية دون استحضار شروط عملها.

تتبنى بعض الجامعات العالمية نماذج مختصرة للأطروحات، لكن هذه النماذج لا تعمل في الفراغ.
إنها تعمل داخل منظومات بحثية توفر:
– مختبرات قائمة على مشاريع حقيقية.

– قواعد بيانات متكاملة.

– مشرفين يتابعون الباحث يوما بيوم.

– لجانا تقيّم على أساس المنهج والابتكار لا على أساس الحجم.

– شبكات نشر ودوريات علمية ذات مصداقية.

في مثل هذه السياقات يصبح قصر الأطروحة نتيجة لطبيعة العمل الأكاديمي، لا قرارا إداريا فوقيا.
أما استيراد النموذج إلى بيئة لا تتوفر فيها شروطه، فهو كمن ينقل قشرة الثمرة دون لبّها: يغيّر الشكل لكن لا ينتج القيمة.

ثالثا: الذكاء الاصطناعي… المشكلة الأعمق لا تُحل بالإجراءات الأسهل.

ربط تقليص الأطروحات بمحاربة المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي يطرح أكثر من سؤال.
فالذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج نص طويل أو قصير وفق الطلب، وبالتالي فإن التحكم في الحجم ليس أداة فعّالة للتمييز بين النص الأصلي والنص الآلي.

و حقيقة ما يحمي البحث العلمي هو:

– تكوين الباحث في المنهج العلمي.

– تعميق حسّه النقدي وقدرته على بناء السؤال.

– تعزيز نزاهته الأكاديمية.

– تمكين لجان المناقشة من أدوات فحص علمي حديثة.

إنّ اختزال قضية الذكاء الاصطناعي في عدد الصفحات يشبه محاولة إغلاق نافذة بينما تتسرب الريح من الجدار كله.

رابعا: الأطروحة ليست منتجا نهائيا… بل تجربة تكوين باحث.

الأطروحة ليست وثيقة لتعبئة بيانات، بل هي فضاء لتكوّن الباحث:
هي اختبار لقدراته على التحليل، تنظيم المعرفة، تشييد المفاهيم، صياغة الإشكالية والدفاع عن اختياراته المنهجية.

إنّ تحويل الأطروحة إلى نص قصير وفق معيار عددي صارم قد يقتل هذا المسار التكويني، ويختزل رحلة بحثية طويلة في نص يشبه التقارير الإدارية أكثر مما يشبه المشاريع العلمية.

فكيف سنكوّن جيلا قادرا على إنتاج معرفة تنافس عالميا إذا ضيّقنا عليه المجال الذي يفترض أن يتعلم فيه كيف يفكر وكيف يبتكر؟

خامسا: إصلاح البحث العلمي يبدأ من جذوره، لا من واجهته.

قبل قياس الأطروحات بالصفحات ينبغي أولا قياس:

– حجم الاستثمار في المختبرات.

– جودة التأطير.

– منسوب التكوين المنهجي.

– نسبة الأبحاث المنشورة في مجلات محكّمة.

– عدد المشاريع العلمية الحقيقية داخل الجامعات.

فالأزمة التي يعيشها البحث العلمي ليست أزمة أوراق، بل أزمة بنية تحتية معرفية ومؤسسية.
وأي إصلاح لا يتجه نحو الجذور سيظل إصلاحا فوقيا يغير المظهر ولا يغيّر الواقع.

و أخيرا فإن تقليص حجم الأطروحات ليس خطأً في حد ذاته، لكنه ليس الحل كذلك.
هو خطوة تقنية يمكن أن تكون مفيدة فقط إذا جاءت داخل منظومة إصلاح كاملة تعيد الاعتبار للبحث العلمي من أساسه.
أما خارج هذا الإطار، فسيظل التغيير مجرد تعديل في واجهة منزل يحتاج أساسه إلى إعادة بناء.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد