وهم التفوق: قراءة سوسيونفسية في تأثير “دامين كروجر”

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

في عالم تتزاحم فيه الأصوات وتتكاثر فيه الادعاءات، يبرز أحد أكثر الانحيازات المعرفية خطورة وفتكا بجودة التفكير يدعى تأثير دانين–كروجر، ذلك الميل الذي يجعل صاحب الكفاءة المحدودة يتوهم امتلاك مهارات تفوق حقيقته بكثير. اكتشف العالِمان ديفيد دانين وجاستن كروجر (Dunning & Kruger 1999) أن الأفراد الأقل خبرة paradoxically هم الأكثر ثقة، لأنهم يفتقدون الأدوات المعرفية التي تسمح لهم بتمييز الأداء الجيد من السيّئ، مما يجعلهم سجناء وهمٍ يُسمّى: “الجهل الواثق”.

أولا: المقاربة السوسيونفسية – حين يصبح الإدراك مسرحا للوهم

يرى دانين وكروجر أن الإنسان غير المتمكن لا يدرك حدود جهله، بل إن جهله ذاته يحجب عنه هذا الإدراك. وهنا تتقاطع الفكرة مع ما قاله الفيلسوف سقراط قبل قرون: «أعلم أني لا أعلم» وهي حكمة لم يستطع الكثيرون بلوغها رغم بداهتها.
فعلى المستوى النفسي يصنف هذا التأثير في ثلاثة أبعاد رئيسية:

1. ضعف القدرة على تقييم الذات نتيجة نقص المهارات الأساسية.

2. المبالغة في الثقة بالنفس دون سند موضوعي.

3. رفض التغذية الراجعة لأنها تُهدّد صورة الذات المتوهمة.
وهو ما يجعل الشخص يسقط في حلقة مغلقة من الأخطاء لا يدركها ولا يتعلم منها، لأن وعيه لذاته قاصر عن رصد الخلل فيه. يشبه الأمر ما وصفه تشارلز داروين بقوله:
«الجهل غالبا يولد الثقة أكثر من المعرفة».

ثانيا: المقاربة السوسيواجتماعية

– مجتمع يُغذّي الوهم دون قصد في السياق الاجتماعي يكتسب هذا التأثير بُعدا أخطر. فعندما تُعلي المجتمعات من شأن “الظهور” على حساب “الخبرة”، وحين تتقدم الخطابات الجوّفاء على الممارسة الحقيقية يصبح الطريق معبّدا لوهم التفوق. فالكثير من البيئات تَمنح المنابر للأعلى صوتا، لا للأكثر كفاءة، مما يخلق ما سماه عالم الاجتماع أنتوني جيدنز بـ “سلطة الخطاب”، حيث يتحول الكلام المتقن إلى بديل عن الفعل المتقن.

كما تُسهم وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذا الوهم، إذ تمنح اعترافا سريعا ومجانيا قد يُشعر الفرد بأنه خبير في كل شيء، فقط لأنه يتلقى تفاعلا كبيرا. وهنا يتجلى قول العالم المعرفي دانيال كانيمان:
«الثقة بالنفس ليست دليلا على الدقة، بل غالبا دليل على انحيازات لا نراها».

ثالثا: مفارقة المعرفة… حين تزيد الخبرة وتتناقص الثقة

اللافت أن الأشخاص ذوي الخبرة العالية يعانون غالبا من النقيض ومن متلازمة التقليل من الذات، حيث يظن الخبير أن ما يعرفه بديهي للجميع، فيقلل من تقدير مهاراته. هكذا يصبح المشهد مركبًا: قليل المعرفة يظن نفسه فوق الجميع، وواسع المعرفة يظن نفسه واحدا منهم.
هذا التوتر يخلق تشويشا داخل المؤسسات والمجتمعات حيث يتقدم الواثق على الكفء، ويتراجع الخبير بسبب تواضعه فيختل ميزان الجودة واتخاذ القرار.

رابعا: كيف نواجه وهم التفوق؟

1. تعزيز ثقافة النقد الذاتي: لأن الاعتراف بحدود الذات هو أول أبواب التعلم.
2. تقدير الخبرة الحقيقية وليس الضوضاء: رفع قيمة الإنجاز على حساب الادعاء.
3. إتاحة التغذية الراجعة الصادقة داخل المؤسسات دون خوف من الحساسية.
4. تعليم مهارات التفكير النقدي منذ مراحل مبكرة.
5. محاربة خطاب “أنا أعرف كل شيء” وتحويله إلى “أنا أتعلم دائما”.

تأثير دانين–كروجر ليس مجرد مفهوم نفسي، بل مرآة تُظهر تلك الفجوة بين ما نظنه وبين ما نحن عليه حقا. إنه دعوة للوعي، للتواضع المعرفي وللعودة إلى الأصول التي لخصها سقراط منذ آلاف السنين:
أن ترى جهلك… هو أول خطوة نحو الحكمة.

وفي عالم يعجّ بالمتحدثين يبقى الامتياز الحقيقي حكرا على من يفكرون، يتعلّمون ويصنعون الفرق بصمت وعمق وليس بصخب الوهم.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد