موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
لم يعد الحديث عن تأهيل المقبلين على الزواج ترفا فكريا أو موضة اجتماعية، بل تحوّل إلى ضرورة حتمية تفرضها التحولات النفسية والقيمية التي يعيشها العالم اليوم. فالعلاقات الإنسانية أصبحت أكثر هشاشة، والأدوار داخل الأسرة أكثر تعقيدا، والتوقعات العاطفية أعلى من قدرة كثيرين على الاستيعاب. لذلك بات من اللازم أن يدخل الأزواج الحياة المشتركة وهم مسلحون بالوعي، لا بالأماني فقط.
أولا: مقاربة سوسيونفسية – حين يبدأ الزواج من الداخل لا من الخارج
من أهم الإشكالات التي تؤدي إلى فشل الارتباطات اليوم أن الكثيرين يدخلون مؤسسة الزواج وهم غير مهيئين نفسيا، يحملون جراح طفولتهم، قلقهم وتوقعاتهم المثالية. فالعلاقة الزوجية ليست ساحة لإثبات الذات، ولا فرصة لتعويض النقص، بل هي كما يصفها علم النفس “مرآة تكشف ما نتجنّب رؤيته في أنفسنا”.
إن غياب الوعي العاطفي يجعل الشريك يفسر كل سلوك بمنظور دفاعي، فيُفهم الصمت على أنه تجاهل، والتعب على أنه برود، والاحتياج على أنه ضعف. لذلك أصبح التأهيل النفسي ضرورة لضبط التوقعات، وفهم الاختلافات، والتدرب على مهارات التواصل، وإدارة الغضب، وذكاء الخلاف.
وتشير الأدبيات النفسية إلى أن الزواج الصحي لا يحتاج إلى أشخاص كاملين، بل إلى أشخاص يعرفون نقائصهم ويتحملون مسؤولية تطويرها. فكما يقول أحد منظري علم النفس: “إن العلاقات الناجحة هي تلك التي يتشارك فيها الطرفان في شفاء بعضهما، لا في إيذاء بعضهما.”
ثانيا: مقاربة سوسيواجتماعية – الزواج في زمن التحولات القيمية
من منظور اجتماعي يواجه الزواج اليوم تحديات متجددة: سرعة التحولات الرقمية تغير أنماط العيش، اتساع مساحة الفردانية وتبدل المعايير بين الأجيال. كلها عوامل خلقت فجوة بين مفهوم الزواج التقليدي والزواج كما يُتصوَّر اليوم.
فالجيل الجديد يطالب بشراكة عاطفية، احترام للخصوصية واعتراف متبادل بالجهد النفسي والاجتماعي، بينما كثير من الأسر لا تزال تشتغل بنموذج سلطوي يجعل الزواج عقد أدوار لا عقد قيم. وهنا تظهر أهمية التأهيل الاجتماعي للمقبلين على الزواج من خلال فهم بنية الأسرة الحديثة، ومعرفة الحقوق والواجبات، وتعلم كيفية بناء توازن بين الاستقلالية والاندماج، وبين الحرية والمسؤولية.
وتؤكد المقاربات السوسيولوجية أن “الأسرة لا تنهار بسبب غياب الحب، بل بسبب غياب المعنى المشترك”. فبدون قيم واضحة، واتفاقات مسبقة، ورؤية واقعية يصبح الزواج مجرد تجربة غير مكتملة تستنزف الطرفين.
ثالثا: التأهيل… استثمار في الاستقرار لا في المظهر الاجتماعي
التجارب الميدانية في عدد من الدول أثبتت أن برامج الإعداد للزواج تخفض نسب الطلاق، وتقلل الخلافات، وتزيد القدرة على اتخاذ القرار الصحيح. لكن في مجتمعاتنا، ما زال البعض يعتقد أن الحب وحده يكفي، وأن “الزواج يُدرَّس بالتجربة”. غير أن التجربة وحدها قد تكون مكلفة، وقد تجر جراحا يصعب إصلاحها لاحقا.
التأهيل هنا ليس فرضا، بل حماية للزوجين من سوء الفهم، ومن تراكمات صامتة تتحول مع الزمن إلى هوة. إنه تدريب على الحياة المشتركة، على الإصغاء، على احتواء الانفعالات وعلى فهم اللغة غير المنطوقة داخل العلاقات العاطفية.
يُقال في علم الاجتماع الأسري: “إن الزواج الناجح لا يبنى على التشابه فقط، بل على القدرة على إدارة الاختلاف.”
رابعا: نحو ثقافة جديدة للارتباط… الزواج يبدأ قبل الحفل بكثير
إن بناء وعي جديد للمقبلين على الزواج يتطلب تغييرا في الثقافة العامة: أن يفهم الشريكان أن الحب يحتاج إلى أدوات، لا إلى مشاعر فقط.
وأن الاحترام ليس تلقائيا بل يُبنى بالتراكم.
وأن الاختلاف ليس تهديدا للعلاقة بل فرصة لاكتشاف الآخر.
وأن الصحة النفسية أساس كل استقرار أسري.
كما يحتاج المجتمع إلى مؤسسات متخصصة تقدّم دورات في مهارات التواصل، إدارة الضغوط، فهم الشخصية، الذكاء العاطفي، الاستعداد الأسري، وتقدير الذات… فهذه كلها أعمدة أساسية لبناء بيت لا يهتز أمام أول عاصفة.
تأهيل المقبلين على الزواج ليس خطوة إضافية في رحلة الارتباط، بل هو الخطوة الأولى التي يجب أن تسبق كل شيء. فالإقدام على علاقة عمرٍ كامل دون إعداد كافٍ يشبه شراء سفينة دون تعلم فن الإبحار.
والزواج مهما بدا بسيطا في ظاهره هو فعل وعي ومسؤولية ونضج.
ومن يمتلك أدوات الفهم والصبر والتواصل لا يخوض التجربة فقط… بل ينجح فيها.
قم بكتابة اول تعليق