حين يُكافأ المنصب وتُهمَّش الكفاءة: أزمة الاعتراف بالعقول قبل الكراسي

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

لا شيء يرهق روح المبدع أكثر من أن يرى مجهوده يُختزل في صمته، وأن تُقاس قيمته بكرسيٍّ لم يجلس عليه بعد. ففي المجتمعات التي تُقيم وزنا للموقع أكثر من الكفاءة، يتحوّل العمل إلى طقس إداريٍّ بلا روح، وتُصبح المؤسسات حقولا تُزرع فيها المناصب لا المواهب.

لقد أصبحت الكفاءة في كثير من السياقات ترفا غير معترف به إلا إذا حُمل على أكتاف المنصب. والنتيجة: أن تُقصى العقول الحيّة وتُكرَّم الوجاهات، فينقلب ترتيب الأشياء حتى يُصبح الشغف هامشا، والمظهر متنا.

أولا: هيمنة المنصب وانحسار الاعتراف بالجدارة

تاريخيا ظلت المجتمعات ذات البنى الهرمية تُقدّس المنصب وتراه مِعيارا للهيبة والاعتراف الاجتماعي. غير أنّ هذه القداسة حين تمتد إلى المنظومة المهنية، تُحدث خللا في البنية التنظيمية نفسها.
إذ تتحوّل الوظيفة من أداة لخدمة المصلحة العامة إلى وسيلة لتكريس النفوذ الشخصي، ويُختزل مفهوم النجاح في الصعود الإداري بدلا من الأثر الفعلي.

في هذه الحالة يصبح الاعتراف ليس بالإنجاز بل باللقب، ويُعامل الإنسان لا بما قدّم، بل بما يُمثِّله في السلم الوظيفي. إنها ظاهرة “تشييء الكفاءة” حين تتحوّل القدرات إلى سلعة لا تُعرض إلا إذا حملت ختم السلطة.
قال أنطوان دو سانت إكزوبيري: “العظمة لا تُقاس بما نملك، بل بما نمنح.”
لكن في مجتمعات تُغفل الكفاءة، يُصبح المنصب هو المانح الوحيد، حتى لو لم يُعطِ شيئا يُذكر.

ثانيا: المقاربة السوسيونفسية — الجرح الهادئ في ضمير الكفاءات

من منظور سوسيونفسي، يمكن قراءة الظاهرة كجرح جماعيٍّ في ضمير المهنيين. فالفرد الذي يُقصى رغم اجتهاده، يعيش حالة من “الإقصاء الرمزي” الذي وصفها بيير بورديو بأنها أشدّ أنواع العنف قسوة لأنها لا تُمارس بالعنف المادي، بل بالصمت واللامبالاة.

إنّ الإنسان بطبعه يحتاج إلى الاعتراف، إلى أن يُرى جهده ويُقدّر عطاؤه. وعندما يُحرم من ذلك يشعر باللامعنى في فعله. هنا يتسرّب الإحباط إلى النفس، ويتحوّل التفاني إلى روتين، والشغف إلى واجبٍ ثقيل.
يتراجع الإبداع لأن النفس لم تعد ترى جدوى من بذلٍ لا يُثمَّن.

في هذه البيئات يُولد ما يمكن تسميته بـالاحتراق المعنوي: احتراق لا تسبّبه كثافة العمل، بل غياب الاعتراف. فالإنسان لا ينهار حين يُرهق جسده، بل حين يُطفأ ضوءه الداخلي.
يقول فيكتور هوغو: “لا أحد يستطيع أن يعيش طويلا في الظلّ إن كان يحمل في داخله شمسا.”
لكن تلك الشمس تنطفئ حين تُحجب عمدا، حين يُسدل ستار المنصب على وهج الكفاءة.

ثالثا: المقاربة السوسيواجتماعية — حين تُكرّس الثقافة الوجاهة بدل الجدارة

من زاوية سوسيواجتماعية فإن الظاهرة ليست مجرد خلل إداري، بل تعبيرٌ عن ثقافة تراتبية متجذّرة.
ثقافة ترى في المنصب رمزا للنجاح، لا وسيلة لخدمة الجماعة.
يتربّى الأفراد على أن المكانة تُنتزع باللقب لا بالإنجاز، وأن الوجاهة تغني عن الجدارة.
إنّها ثقافة الامتثال لا المبادرة، حيث يُكافأ من يرضي النظام أكثر ممن يُنتج أو يُبدع.
في مثل هذه البيئات تتوارى قيم التنافس النزيه لتحلّ محلها “ثقافة الولاء”، الولاء لا للمؤسسة أو الفكرة، بل لمن يُمسك بمفاتيح القرار.
وبذلك تُفرَّغ العدالة المهنية من مضمونها، ويتحوّل التدرج الوظيفي إلى سباق على الرضا لا على الأداء. وتنتقل العدوى إلى الأجيال الصاعدة التي تتعلّم أن الكرسي هو نهاية الحلم، لا وسيلة لتحقيقه.
قال ألبير كامو: “الانتماء الحقيقي هو انتماء الفعل لا الانتماء للموقع.”
وحين يُهمَّش الفعل ويُقدَّس الموقع يفقد العمل معناه، وتفقد المجتمعات روحها المنتجة.

رابعا: الأثر البنيوي والمؤسساتي

إنّ تغليب المنصب على الكفاءة لا يضرّ الأفراد فحسب، بل يضعف البنية المؤسساتية برمّتها.
فالمنظومات التي لا تُنصت إلى خبراتها الداخلية تُصبح رهينة لقرارات فوقية قد تفتقر إلى الحكمة العملية.
وحين يُستبعد الخبراء، تُستدعى الاستشارات الخارجية بمبالغ ضخمة لتقول ما كان يمكن أن يُقال مجانا من داخل المؤسسة نفسها!
حينها يتحوّل العمل إلى سلسلة من الإجراءات الشكلية التي تُكرّر ذاتها دون تطوير.
ويفقد الفاعلون ثقتهم في المنظومة، لأن الجهد لم يعد يُكافأ، ولأن الألقاب باتت أكثر إنتاجا من العقول في سوق الاعتراف.

خامسا: البُعد الرمزي والنفسي للسلطة

المنصب في جوهره ليس مشكلة، بل وسيلة لتنظيم العمل. لكن حين يُختزل في رمزيته ويُمنح سلطة على الوعي لا على المهام، يتحوّل إلى أداة للهيمنة الرمزية.
وهنا تبرز المفارقة: فالمناصب التي يُفترض أن تُلهم الكفاءات، تتحوّل إلى جدار يحجب عنها الضوء.
فالاعتراف بالكفاءة لا يُضعف السلطة، بل يُعزّزها. لأن السلطة التي تُقصي العقول تُعلن عجزها عن إنتاج الثقة.
أما تلك التي تُكرّم المبدعين، فإنها تبني سلطة المعرفة لا سلطة الهيبة، وهي وحدها التي تملك الشرعية الأخلاقية للبقاء.

سادسا: الطريق إلى الإصلاح — من ثقافة المنصب إلى ثقافة المعنى

الإصلاح الحقيقي يبدأ حين يُعاد تعريف القيمة.
حين تُصبح الكفاءة معيار الترقية لا الولاء، والمعرفة جواز المرور إلى المسؤولية لا القرب من صانع القرار.
حين نؤمن أن المنصب ليس مكافأة على الولاء، بل تكليف بالكفاءة.
إنّ بناء ثقافة الاعتراف يتطلب شجاعة مؤسسية تبدأ من التعليم، حيث يُربّى الطفل على أن التفوق ليس لقبا، بل سلوكا ومثابرة.
ويتطلب من الإعلام أن يُعيد توجيه البوصلة نحو قصص العطاء الصامت، لا ضجيج الألقاب.
ويتطلب من المجتمع أن يتعلّم الإصغاء لمن يعمل بصمت أكثر ممن يتحدث بصوت عال.

وقد كتب باولو كويلو: “العظمة الحقيقية تكمن في أن تؤدي دورك بصمت تام، بينما يظنّ الجميع أنّك لم تفعل شيئًا.”

خاتمة: بين المنصب والكفاءة… أيّهما يصنع الآخر؟

حين تُكافأ المناصب قبل الكفاءات، نُربّي أجيالا تؤمن أن الطريق إلى المجد يمرّ عبر السلطة لا عبر الإتقان.
وحين تُكرّم الكفاءات قبل المناصب، نصنع مجتمعات تُزهر فيها العقول وتُضاء فيها المؤسسات بالمعرفة لا بالهيبة.
إنّ المناصب عابرة لكن الكفاءة باقية.
والكرسي يُورّث، لكن الأثر لا يُورّث.
فمن زرع معرفةً أورث أثرا، ومن زرع لقبًا أورث فراغا.
ولن تنهض الأمم إلا حين تُعيد الاعتبار للعقل قبل الكرسي، وللجدارة قبل الوجاهة، وللإنسان قبل اللقب.
حينها فقط لن نحتاج إلى مناصب كي نحظى بالاعتراف… لأن الإنجاز سيصبح هو المنصب الحقيقي.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد