موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
في فترات كثيرة من عمر الأبناء تمرّ الأسرة بارتجاجات نفسية وتربوية تهزّ بنيتها الداخلية، لكن لا شيء يعادل ارتجاج المراهقة بما يرافقه من تغيرات عميقة في المزاج والسلوك والرؤية للحياة. فالمراهقة ليست تمرّدا عابرا كما يظن البعض، بل عبور معقّد بين عالمين: عالم الطفولة الذي يُوشك أن يُغلق أبوابه، وعالم الرشد الذي لا تزال ملامحه غائمة.
في هذا المعبر المليء بالضباب تنشأ الصدامات بين الآباء والمراهقين، لتُصيب الثقة التي كانت متينة بالأمس بشروخ يصعب ترميمها إن غاب الفهم وغلبت العاطفة الانفعالية على الحكمة التربوية.
بين سلطة الآباء وحاجة المراهق إلى الاستقلال.
يجد المراهق نفسه في صراع داخلي بين حاجته إلى الانفصال النفسي عن والديه، وبين رغبته في أن يبقى محبوبا ومقبولا. يريد أن يُعبّر بحرّية، أن يختار أصدقاءه، أن يخطئ ويتعلّم من خطئه، لكن الآباء — بدافع الخوف — يرون في ذلك تمرّدا ويواجهونه بأسلوب زجريّ يظنونه حماية.
وهنا تبدأ المسافة النفسية تتسع: الأب يشعر أنه فقد السيطرة، والابن يشعر أنه فقد الثقة.
في هذه المرحلة الحساسة يحتاج المراهق إلى ما يسمّيه علماء النفس “الاعتراف بالوجود” أي أن يُعامل كشخص له رأي ومشاعر يُصغى إليها بجدية، لأن إنكار صوته يُحوّله إلى كائن غاضب أو منسحب.
أما الآباء فهم بحاجة إلى إدراك أنّ التربية في زمن المراهقة لا تُمارس بالسلطة بل بالحضور، والثقة لا تُستعاد بالقوة بل بالقدرة على الإصغاء والتفهّم.
الصدامات المتكرّرة: أعراض لفجوة عاطفية لا لمشكلة سلوكية.
كثير من الأسر تُخطئ حين تفسّر الصدامات المتكرّرة على أنها “مشاكل سلوكية”، بينما هي في العمق “مشاكل تواصلية”.
المراهق حين يرفع صوته أو يغلق بابه في وجه الحوار أو ينسحب إلى عالمه الرقمي لا يفعل ذلك تحديا، بل هروبا من الإحباط. إنه يُعبّر بلغة الصمت لأن اللغة اللفظية لم تعد تُوصله إلى القبول.
أما الآباء فيتألمون بصمت مماثل لأنهم يشعرون بأن أبناءهم تغيّروا فجأة، وأن من ربّوه لم يعد يطيع أو يستجيب.
وفي الواقع إن ما يحدث هو فقدان “اللغة المشتركة”.
لا بد إذن من إعادة بناء الثقة أي إعادة بناء تلك اللغة التي تقوم على الإصغاء، الاحترام المتبادل والاعتراف المتبادل بالخطأ.
حين يتحوّل الحوار إلى جسر إنقاذ.
الثقة التي تكسّرت يمكن أن تُرمّم، لكن شرط أن يتحوّل “الحوار” من ساحة اتهام إلى مساحة تعاطف.
من المفيد أن يجلس الآباء مع أبنائهم في لحظات هدوء دون نية للتقويم أو الموعظة، فقط للاستماع.
فالمراهق حين يشعر أن والديه يسمعانه دون حُكم يبدأ تدريجيا في فتح قلبه ليشاركهم ما يخفيه خلف الغضب أو الصمت.
وهنا تبرز أهمية “الاعتذار المتبادل” كقيمة تربوية راقية. فأن يعتذر الأب أو الأم لا يُنقص من هيبتهما بل يعزّز صورتهما في عيني المراهق كنموذج إنساني قادر على التواضع والاعتراف بالخطأ.
من الإشراف إلى المرافقة: تحوّل ضروري في التربية.
يؤكد علماء النفس التربوي أن التربية الفعّالة في مرحلة المراهقة تنتقل من نمط الإشراف (Surveillance) إلى المرافقة (Accompagnement).
الإشراف يُبقي العلاقة في منطق السيطرة والخوف، بينما المرافقة تُحوّلها إلى علاقة ثقة وتكامل.
فبدل أن يسأل الأب ابنه: “أين كنت؟”، يمكن أن يسأله: “كيف كان يومك؟” لأن السؤال الثاني يحمل اهتماما لا اتهاما.
إن هذا التحول البسيط في اللغة يفتح الأبواب المغلقة، ويمنح المراهق شعورا بالأمان العاطفي.
دور المدرسة والمجتمع في إعادة اللحمة الأسرية.
حين تضعف جسور الثقة داخل الأسرية يمكن للمدرسة أن تكون حاضنة لإعادة بنائها. وأن
برامج الدعم النفسي المدرسي، الورشات الحوارية بين التلاميذ والآباء وأنشطة الحياة المدرسية التشاركية تُسهم في تخفيف التوتر وإعادة التواصل.
كما أن الجمعيات والمؤسسات التربوية بإمكانها تقديم دور الوسيط في النزاعات الأسرية عبر جلسات الإرشاد الأسري ومرافقة المراهقين في اكتشاف ذواتهم بطرق بناءة.
حين تصبح الثقة علاجا نفسيا.
من منظور علم النفس العلاجي فالثقة ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل هي حاجة نفسية أساسية.
فالمراهق الذي يعيش في بيئة آمنة يسودها الاحترام والثقة يُطوّر توازنه العاطفي ويقلّ احتمال لجوئه إلى سلوكيات خطرة أو انغلاق مرضي.
وفي المقابل حين يعيش في بيئة يسودها الشك والمراقبة المفرطة تتشكل لديه نزعة دفاعية أو خوف من الرفض قد تمتد آثارها إلى مرحلة الرشد.
لذلك فإن إعادة بناء الثقة ليست ترفا تربويا، بل ضرورة نفسية لحماية الاستقرار الوجداني للأبناء.
التربية كرحلة نحو الفهم لا نحو الكمال.
الثقة لا تُستعاد بالكلمات، بل بالأفعال المتكرّرة التي تقول للمراهق: “أنا هنا لأفهمك، لا لأحاكمك”.
حين يدرك الأب أن ابنه ليس نسخة منه، بل كيان مختلف يحتاج لمساحته، وحين تفهم الأم أن الصمت ليس تمردا بل لغة حائرة تبدأ عملية الشفاء.
وفي النهاية لا يوجد والد كامل ولا مراهق مثالي، لكن هناك دائما إمكانية لبناء جسر جديد من الصدق والاحترام المتبادل.
ذلك الجسر الذي وحده يجعل العائلة سفينة متوازنة تُبحر بأمان في أمواج الحياة.
قم بكتابة اول تعليق