موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
الأسرة هي الحضن الأول الذي يتشكّل فيه الوعي العاطفي للطفل، وفيها يتعلّم الحب والمشاركة كما يتذوّق طعم الغيرة الأولى. تلك الغيرة التي قد تبدأ ببراءة الطفولة، لكنها إن لم تُفهم وتُدار بحكمة، يمكن أن تترك ظلالا تمتد إلى مراحل لاحقة من العمر، فتتحول من شعور إنساني طبيعي إلى صراع نفسي داخلي أو تنافس مؤلم بين الإخوة.
الجذور النفسية للغيرة بين الإخوة
الغيرة بين الإخوة ليست ناتجة عن سوء نية أو أنانية فطرية، بل هي انعكاس لحاجات عاطفية لم تُشبَع بشكل كاف. فالطفل الذي يشعر بأن والديه يمنحان اهتماما أكبر لأخيه الأصغر يختبر خوفا دفينا من الفقد ورغبة قوية في استعادة مكانته المميزة في قلوبهم.
يُشير علماء النفس إلى أن الغيرة هي استجابة دفاعية أمام تهديد متصوَّر للمكانة أو الحب (Bowlby 1982). أما من منظور التحليل النفسي فإن فرويد اعتبرها جزءا من الصراع الطبيعي في علاقة الطفل بالوالدين، حيث يسعى كلٌّ من الأبناء لاحتكار الحب والاهتمام.
ولا تتغذى الغيرة فقط من مقارنة الوالدين بين الأبناء، بل أيضا من النماذج التربوية المتناقضة التي تُشعر أحد الأطفال بأنه أقل حظا في التقدير أو الفرص. كما تلعب الاختلافات الشخصية دورا حاسما، فطفل حساس بطبعه سيكون أكثر عرضة للغيرة من طفل يتمتع بثقة عالية في ذاته.
المظاهر والسلوكيات المصاحبة
تتخذ الغيرة أشكالا متعددة،
قد تظهر في صورة عدوان خفي، كالسخرية من الأخ أو محاولة إفساد إنجازاته، أو في هيئة انسحاب صامت وشعور دائم بعدم الأهمية. أحيانا تتجلى الغيرة في محاولة لفت الانتباه عبر السلوك السلبي كالتمارض أو إحداث المشكلات.
ورغم أن هذه السلوكيات قد تزعج الأهل، فإنها في جوهرها صرخة غير مباشرة لطلب الحب والاعتراف. فكل تصرف غير متزن يخفي خلفه سؤالا مؤلما: “هل ما زلتُ محبوبا كما كنت؟”
العوامل الأسرية والاجتماعية المغذية للغيرة
تلعب البيئة الأسرية دورا أساسيا في توجيه هذا الشعور. ففي الأسر التي تُكثر من المقارنات، أو تُظهر التفضيل العاطفي، أو تُكرّس التنافس بدل التعاون تترسّخ جذور الغيرة وتنمو معها مشاعر الغبن والرفض.
كما أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية قد تزيد من حدة الشعور بالغيرة خصوصا حين يُترجم النجاح المادي أو الدراسي لأحد الإخوة إلى معيار ضمني لتقييم الآخرين. في مثل هذه الحالات تتحول العلاقة الأخوية من دعم متبادل إلى ساحة مقارنة دائمة.
أساليب التعامل والتوجيه
تبدأ معالجة الغيرة من وعي الوالدين بطبيعتها وفهمهم لمصدرها. فبدلا من التوبيخ أو الإدانة، يحتاج الطفل إلى من يعترف بمشاعره دون محاكمة. يمكن للأهل مثلا أن يقولوا: “أفهم أنك شعرت بالانزعاج لأننا قضينا وقتا أطول مع أخيك لكننا نحبكما بنفس القدر.”
من المهم أيضا توزيع الانتباه والوقت بعدل، وإتاحة الفرص لكل طفل لإبراز تميّزه الخاص بعيدا عن المقارنة. كما يُنصح بترسيخ فكرة أن الاختلاف ليس تفاضلا، وأن كل فرد في العائلة يمتلك قيمته الخاصة ودوره المختلف.
أما على المستوى الاجتماعي، فإشراك الأطفال في أنشطة جماعية تعاونية يُنمّي روح الفريق ويخفف من النزعة التنافسية.
نحو تربية عاطفية أكثر نضجا
إن الغيرة بين الإخوة ليست خطأ يجب محوه، بل فرصة تربوية لفهم الذات والآخر. فحين يتعلم الطفل التعبير عن غيرته بالكلام بدل العدوان، وحين يجد من يصغي إليه ويطمئنه يتحول هذا الشعور إلى قوة بنّاءة تدفعه نحو النمو الشخصي.
فتربية الأبناء على التعاطف، الاحترام والتوازن العاطفي تُسهم في تحويل الأسرة إلى حاضنة للسلام الداخلي، لا ساحة للتنافس والانقسام.
كما ان الغيرة بين الإخوة ليست قدَرا، بل رسالة خفية من قلب صغير يبحث عن مكانه الآمن وسط القلوب التي يحبها.
و أخيرا ففي قلب كل غيرة حنينٌ إلى حب مطمئن لا يُقاس، وطمأنينةٌ تُخبر الطفل أن مكانه في القلب لا يزاحمه أحد… فحين يشعر الإبن بالأمان تخمد الغيرة وتنمو الأخوّة.
قم بكتابة اول تعليق