موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
في زمن تتبدّل فيه المفاهيم وتتصدّع البُنى الرمزية للأسرة التقليدية، تُطلّ الأبوة الحديثة كصوت جديد يحاول أن يعيد التوازن بين الحزم والحنان، بين المسؤولية والعاطفة، بين حضور الجسد وحضور الوجدان. لم يعد الأب ذلك الكائن الجالس على عرش السلطة الأسرية يحكم بالصمت أو الغضب، بل أصبح في صورته الجديدة رفيقا نفسيا وإنسانيا، يرافق أبناءه في رحلة النمو أكثر مما يوجّههم من برج المراقبة.
أولا: من أب يُطاع إلى أب يُصغي
في الماضي القريب كانت صورة الأب ترتبط بالصرامة والهيمنة. كانت كلمته قانونا، ووجهه وحده كفيلا ببثّ الخشية في النفوس. ذلك الأب الذي لا يُناقَش كان رمزا للاستقرار الظاهري، لكنه في العمق كثيرا ما كان يولّد الخوف والكبت العاطفي.
غير أن المجتمع المعاصر ومعه التحولات القيمية والنفسية أزاح الغبار عن هذه الصورة الأحادية. لم تعد الأبوة وصاية بل علاقة تشاركية، قوامها الإصغاء والتفاعل والاحترام المتبادل.
يشير عالم الاجتماع الفرنسي فرانسوا دولتو إلى أن “الأب الحقيقي هو من يمنح ابنه الإذن بأن يكون مختلفا عنه”. فالأب الحديث لم يعد يسعى إلى استنساخ نفسه في أبنائه، بل إلى احتضان اختلافهم.
ثانيا: الأبوة كذكاء وجداني
في علم النفس الأسري تتجاوز الأبوة الحديثة مفهوم المسؤولية القانونية إلى مفهوم الذكاء الوجداني كما صاغه دانيال جولمان. فالأب الناجح اليوم هو الذي يدرك عواطفه وعواطف أبنائه، ويتعامل معها بوعي واتزان.
إنه يعرف متى يكون الصمت لغة، ومتى يكون العناق حلا. لا يربي بالعقاب، بل بالفهم والتفاعل. يدرك أن الحزم لا يعني القسوة، وأن الحنان لا يُفقد الهيبة.
يقول إريك فروم في كتابه فن الحب: “الأب لا يهب ابنه الحياة فقط، بل المعنى الذي تستحق من أجله أن تُعاش.”
وهنا يكمن جوهر الأبوة الحديثة: أن تمنح أبناءك معنى لا أوامر، أن تكون لهم مرآة لا سوطا.
ثالثا: تحوّل سوسيوثقافي عميق
جاءت الأبوة الحديثة نتيجة لتغيرات بنيوية في المجتمع: تحرّر المرأة، تحوّل أدوار العمل وتزايد حضور قيم المساواة. هذه التحولات دفعت الأب إلى إعادة تعريف ذاته ودوره داخل الأسرة.
فلم يعد رجل البيت هو وحده مصدر القرار والسلطة، بل صار جزءا من نظام تشاركي يقوم على المرافقة والمساندة.
ويُشير بيير بورديو في تحليله للبنى الاجتماعية إلى أن “الهيمنة الرمزية حين تسقط تتيح إمكانات جديدة للحب والتواصل الإنساني”. وهذا ما حدث داخل الأسرة الحديثة: إذ تراجع العنف الرمزي للأب ليُفسح المجال لحضور وجداني أكثر إنسانية.
رابعا: الأبوة بوصفها علاقة علاجية
من منظور نفسي عميق يمكن النظر إلى الأبوة الوجدانية كنوع من العلاقة العلاجية غير المعلنة. فحين يُصغي الأب لطفله دون إصدار أحكام، فهو يساعده على تنظيم انفعالاته وبناء جهازه النفسي الداخلي.
وقد أشار دونالد وينيكوت إلى أن الطفل يحتاج إلى “الأب الجيّد بما يكفي” لا المثالي، بل القادر على التقبّل والاحتواء.فقد أصبح الأب الحديث شبيها بالمعالج النفسي في قدرته على منح الأمان العاطفي دون خنق الحرية. إنه يمنح الحضور لا السيطرة، ويغرس الثقة لا الخوف.
خامسا: غياب الأب الوجداني وجراح الصمت
ورغم هذا التحول الإيجابي، لا يزال العديد من الأطفال يعانون من غياب الأب، ليس جسديا فقط بل عاطفيا.
إنه الغياب الذي يُخلّف فجوات في الوجدان تُترجم لاحقا في اضطرابات التعلق، الخوف من الفقد أو ضعف القدرة على بناء العلاقات المستقرة.
تُظهر الدراسات الحديثة أن الأبوة الوجدانية ترتبط إيجابيا بمستويات عالية من التوازن النفسي والمرونة الانفعالية لدى الأبناء، بينما يؤدي الغياب الوجداني إلى ارتفاع مؤشرات القلق والاكتئاب في المراهقة.
سادسا: من الهيمنة إلى المرافقة
الأب الحديث ليس سلطة تُملى، بل مرافقة وجدانية تُبنى. يشارك أبناءه أحلامهم الصغيرة، يتعلم لغتهم الجديدة، يراهم كما هم لا كما يتمنى أن يكونوا.
لقد أصبحت الأبوة المعاصرة نوعا من التربية المتبادلة: حيث يتعلم الأب من ابنه كما يُعلّمه، ويُشفى كلٌّ منهما بوجود الآخر.
وهنا نستحضر عبارة جون بول سارتر الذي قال: “نحن نُخلق في عيون الآخرين.”
فالأب الحقيقي هو الذي يسمح لابنه أن يُعيد خلق نفسه في عينه دون خوف أو تلعثم.
سابعا: أبوة إنسانية لا مثالية
الأب في مفهومه الإنساني الجديد ليس الكائن الكامل الذي لا يخطئ، بل الإنسان الذي يتعلّم من أخطائه ويعتذر عنها، والذي يُظهر ضعفه دون أن يفقد مكانته.
إنه يعرف أن الاعتذار لا ينتقص من سلطته بل يرسخ صورته كقدوة حقيقية. فالقدوة ليست في الكمال، بل في الصدق الإنساني.
يقول أنطوان دو سانت إكزوبيري:”ما من حبٍّ كامل، لكن هناك حبٌّ صادق يداوي ما لا تداويه الكلمات.”
تلك هي الأبوة الحديثة: حبٌّ صادق غير متعال، يُمارَس بالعيون، بالصبر وبالإصغاء الطويل.
ثامنا: نحو أبٍ يعلّمنا الإنسانية
إن الأبوة الحديثة ليست ثورة على الماضي، بل مصالحة معه. إنها عودة إلى جوهر الرجولة بمعناها العاطفي الناضج، حيث القوة تُمارَس بلطف والحنان يُمنح بوعي.
إنها أبوة تزرع في الأبناء الإحساس بالأمان الداخلي، تربّي رجالا ونساء لا يخشون مشاعرهم لأنهم تعلموا منذ الطفولة أن الحب لا يتناقض مع الصلابة.
وقد كتب إريك فروم في تأملاته عن النضج الإنساني: “النضج هو أن تُحب دون امتلاك، وأن تكون قويا دون أن تُخيف.”
هكذا تتجلّى الأبوة الحديثة: فنّ التوازن بين الحزم والحب، بين الوجود والاحتواء، بين أن تكون أبا… وأن تظلّ إنسانا.
قم بكتابة اول تعليق