موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
يُعدّ ضعف التحصيل الدراسي من أكثر القضايا التربوية والنفسية إلحاحا في المجتمعات الحديثة، إذ لم يعد يُختزل في ضعف القدرات المعرفية، بل أصبح نتاجا معقدا لتفاعل عوامل نفسية وتربوية واجتماعية متشابكة. فالتلميذ لا يتعلم في فراغ، وإنما داخل منظومة تؤثر فيها الأسرة والمدرسة والمجتمع في تشكيل دافعيته نحو التعلم.
فمن المنظور النفسي كثيرا ما يقف القلق الدراسي، انخفاض الدافعية وصورة الذات السلبية خلف ضعف الأداء المدرسي. فالتلميذ الذي يعيش تحت وطأة الخوف من الفشل أو من النقد المستمر يفقد القدرة على التركيز وتتبدد طاقته الذهنية في محاولات الدفاع عن ذاته بدل استثمارها في الفهم والإبداع. أما ضعف الثقة بالنفس فيغدو حاجزا داخليا يمنع التلميذ من رؤية إمكانياته الحقيقية فيستسلم مبكرا لفكرة العجز، ويتحول التعلم بالنسبة إليه إلى عبء نفسي لا مصدر إلهام.
ولا يمكن إغفال أثر الاضطرابات المزاجية كالقلق والاكتئاب التي تضعف الحضور الذهني وتطفئ شعلة الحافز نحو الدراسة.
أما في الجانب التربوي تتبدى المشكلة حين يتحول التعليم إلى عملية تلقينية تُكرِّس الحفظ الآني على حساب الفهم والتحليل. فحين يُختزل التقييم في امتحانات معيارية صارمة يغيب البعد الإنساني للتعلم، ويُهمّش الإبداع الفردي. كما أن المناهج غير المرنة التي لا تراعي الفروق الفردية بين المتعلمين تسهم في إنتاج الإحباط والشعور بالعجز لدى الفئة الأضعف، في حين تُفقد المتفوقين دافع التحدي والنمو.
ويتعقد المشهد أكثر حين نضيف البعد الاجتماعي إلى التحليل. فالتلميذ القادم من بيئة أسرية مضطربة أو محدودة الموارد غالبا ما يواجه تحديات تتجاوز جدران القسم الدراسي: نقص الدعم الأسري، ضغوط اقتصادية أو غياب فضاء منزلي يساعد على التركيز. كما تؤثر التمثلات الثقافية حول التعليم والنجاح أحيانا في تشكيل وعي التلميذ بذاته، فتترسخ في ذهنه صورة نمطية عن محدودية قدراته أو ضآلة فرصه في التقدم.
من هذا المنطلق تبرز المقاربة السوسيونفسية كإطار تفسيري أكثر عمقا وشمولية. فهي لا تنظر إلى ضعف التحصيل بوصفه خللا فرديا في الطالب بل كنتيجة حتمية لتفاعل المنظومات الثلاث: النفسية، التربوية والاجتماعية.
الحل وفق هذا المنظور لا يمكن أن يكون جزئيا أو مؤقتا، بل ينبغي أن يجمع بين دعم نفسي فردي يُعزّز الثقة والدافعية وإصلاح تربوي يُعيد للتعلم معناه الإنساني، وسياسات اجتماعية تضمن بيئة حاضنة للمساواة وتكافؤ الفرص.
وعليه فإن بناء استراتيجيات فعالة لمعالجة الظاهرة يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المدرسة والمتعلم بحيث تتحول المؤسسة التعليمية إلى فضاء نموٍّ نفسي واجتماعي، لا مجرد مكان لتلقين المعارف. كما يستوجب الأمر وجود عامل اجتماعي و أخصائي نفسي داخل المدرسة، وتكوين الأساتذة على أساليب التعليم باساليب منعددة مراعاة للفروق الفردية، إلى جانب إشراك الأسر في المواكبة والتوجيه بما يعيد للتلميذ توازنه بين الجهد العقلي والدعم العاطفي.
إن ضعف التحصيل الدراسي في جوهره ليس فشلا فرديا بقدر ما هو انعكاس لخلل في منظومة تُهمل الجانب الإنساني في التعلم. ولعلّ جوهر الإصلاح يكمن في الانتقال من منطق المحاسبة إلى منطق المصاحبة، ومن التركيز على النتيجة إلى الاهتمام بالرحلة التعليمية ذاتها. فحين نفهم المتعلم في سياقه النفسي والاجتماعي نصنع منه متعلما فاعلا لا متلقيا سلبيا ونمنحه فرصة حقيقية لاكتشاف ذاته وبناء مستقبله بثقة واستقرار.
قم بكتابة اول تعليق