قانون التوقعات: حين تتحول النبوءة إلى واقع نفسي واجتماعي

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

يُنظر إلى قانون التوقعات على أنه من أكثر القوانين النفسية تأثيرا في مسارات الأفراد والجماعات. فالتوقعات ليست مجرد أفكار عابرة أو أحلام معلقة، بل هي قوة نفسية – اجتماعية قادرة على إعادة تشكيل سلوك الإنسان وتوجيه طاقاته، بل ورسم مستقبله. حين نتوقع الخير أو الشر، النجاح أو الفشل، فإننا بشكل غير واع نُهيئ أنفسنا – ومن حولنا – لنتائج تتطابق مع تلك التوقعات. وهكذا تصبح التوقعات بمثابة عدسة ذهنية نرى من خلالها العالم ونصوغ بواسطتها استجابتنا له.

البعد النفسي: التوقع كإطار ذهني موجه

من منظور علم النفس يُعتبر التوقع إيحاء داخليا يحدد طريقة إدراك الفرد للواقع. فالشخص الذي يتوقع النجاح في مشروع ما يتصرف بثقة، يتخذ قرارات أكثر جرأة ويواصل السعي رغم العراقيل. أما الذي يسيطر عليه توقع الفشل فإنه يتردد، يقلل من قيمة جهوده وربما يتوقف عند أول عقبة. وهنا يظهر ما يسمى بالنبوءة المحققة لذاتها، أي أن ما نتوقعه يحدث لأننا نتصرف وكأنه سيحدث بالفعل.

ولعلّ عالم النفس “وليام جيمس” أشار إلى هذا المعنى حين قال: “إيمانك بأن شيئا ما ممكن هو ما يمنحك القدرة على تحقيقه”. فالتوقع ليس وهما فارغا، بل هو برنامج داخلي يشحذ الموارد النفسية ويوجهها نحو نتيجة معينة.

البعد الاجتماعي: حين تُصاغ التوقعات خارج الفرد

التوقعات لا تنشأ دائما من الداخل، بل كثيرا ما تُفرض من الخارج. الأسرة مثلا تمارس تأثيرا هائلا على أبنائها من خلال نظرتها لإمكاناتهم. الطفل الذي يُخبره والداه باستمرار أنه “ذكي وقادر”، ينمو عادة بثقة أكبر ويترجم هذه الثقة إلى إنجازات ملموسة. وعلى العكس، فإن الطفل الذي يُصنَّف منذ الصغر على أنه “ضعيف” أو “غير قادر”، قد يحمل هذه الصورة السلبية معه طيلة حياته.

الأمر نفسه ينطبق على المدرسة. فقد أظهرت الدراسات أن توقعات المعلمين من طلابهم تُشكل عاملا حاسما في تحصيلهم الدراسي. هذه الظاهرة التي يُطلق عليها تأثير بيغماليون تشير إلى أن المعلم حين يتوقع من تلميذه التفوق فإنه يتعامل معه بطريقة مختلفة: يمنحه فرصا أكثر، يصحّح له بصبر، يشجعه باستمرار، فيترجم الطالب هذا الدعم إلى أداء متفوق.

البعد السوسيونفسي: جدلية الفرد والجماعة

ما يميز قانون التوقعات هو كونه ظاهرة سوسيونفسية بامتياز، إذ يتقاطع فيها النفسي مع الاجتماعي. فالفرد لا يعيش توقعاته الخاصة فحسب، بل يتأثر أيضا بتوقعات الجماعة والمجتمع. التوقعات الاجتماعية قد تكون قوة دفع، كما في المجتمعات التي تبني خطابا محفزا يربط النجاح بالاجتهاد، وقد تتحول إلى قيود خانقة حين تُغذي الصور النمطية السلبية.

على سبيل المثال، التوقعات المسبقة حول قدرات المرأة أو الشاب أو الطبقات الاجتماعية المختلفة قد تترسخ كعائق نفسي يحدّ من الطموح. وبذلك تصبح التوقعات الجماعية أداة لإعادة إنتاج التفاوتات، أو على العكس وسيلة لتفكيكها إذا ما صيغت بطريقة إيجابية وعادلة.

بين الأمل والضغط النفسي

رغم وجاهة قانون التوقعات وأثره البنّاء، إلا أن له جانبا آخر ينبغي التنبه له: ضغط التوقعات. حين يُحمَّل الفرد بتوقعات عالية تفوق طاقته، قد يجد نفسه غارقا في القلق والخوف من الفشل، فيفقد الدافعية بدل أن يكتسبها. من هنا فإن التوازن هو الأساس: توقعات واقعية تدفع إلى الأمام دون أن تتحول إلى عبء نفسي.

قراءة نقدية: ما بين العلم والوهم

قانون التوقعات ليس “سحرا” يغير الواقع بمجرد التفكير، بل هو إطار نفسي واجتماعي يؤثر في السلوك والنتائج عبر آليات معروفة: الثقة بالنفس، إدارة الانتباه وتوجيه الجهد. قيمته تكمن في قدرته على استنهاض الإمكانات الكامنة لا في ادعاء امتلاك قوة خارقة تتحكم في مجريات الحياة.

وفي هذا السياق يمكن استحضار المقولة الفلسفية الشهيرة: “لسنا أحرارا في اختيار الظروف التي نعيشها، لكننا أحرار في الطريقة التي نراها بها”. فالتوقعات هي ذلك المنظور الذي يصوغ استجابتنا للظروف، ويحدد إن كنا سنحولها إلى فرص أم إلى عوائق.

خاتمة

إن قانون التوقعات يكشف لنا أن المستقبل لا يُكتب فقط بما يحدث خارجنا، بل بما نتوقعه داخلنا وبما ينعكس علينا من توقعات الآخرين. إنها جدلية دقيقة بين الفرد والجماعة، بين الداخل والخارج، بين الأمل والخوف. وبقدر ما نحسن صياغة توقعاتنا – بوعي واعتدال – بقدر ما نرسم مسارا أكثر اتزانا نحو النجاح والطمأنينة.
يُقال: “توقع الأفضل واعمل له… فقد يتحقق ما بدا يوما بعيد المنال”.

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد