موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في العلاقات الإنسانية، حيث يُفترض أن تكون العاطفة هي المجال الأسمى للتعبير عن الحميمية والثقة يظهر أحيانا وجه مظلم يُعرَف بالابتزاز العاطفي. هذه الظاهرة ليست مجرد خلاف عابر بين طرفين، بل آلية نفسية واجتماعية تقوم على استغلال مشاعر الآخر من أجل السيطرة عليه أو إخضاعه.
يصف أحد علماء النفس هذه الظاهرة بقوله: “إن الابتزاز العاطفي هو فن تحويل الحب إلى سلاح، والضعف إلى أداة قوة”. فالمبتز لا يبحث عن التفاهم بقدر ما يسعى إلى فرض إرادته عبر إثارة الذنب أو الخوف أو الشعور بالواجب لدى الطرف الآخر.
أبعاد نفسية للابتزاز العاطفي.
من الناحية النفسية يُعتبر الابتزاز العاطفي شكلا من أشكال العنف النفسي غير المرئي. فهو لا يترك كدمات على الجسد، لكنه يترك جروحا غائرة في الروح. يعتمد المبتز على ثلاث أدوات أساسية:
1. الخوف: التهديد بالانسحاب، الهجر أو فضح الأسرار.
2. الذنب: إلقاء اللوم على الآخر بأنه أناني أو غير مقدّر.
3. الواجب: استدعاء التضحية كدليل على الحب.
إنها آلية تجعل الضحية عالقة في دائرة يصعب كسرها، حيث تتحول العلاقة إلى حقل ألغام من التوجس والترقب. وهنا يمكن استحضار قول فيكتور هوغو: “ليس ثقيلا حمل السلاسل، إنما الثقل في حملها باسم الحب.”
البعد الاجتماعي للظاهرة.
لا يمكن اختزال الابتزاز العاطفي في البنية الفردية فقط، بل هو أيضا نتاج سياق اجتماعي يشرعن ثقافة الهيمنة والتضحية المطلقة. في مجتمعاتنا يُلقَّن الأفراد منذ الصغر أن “الحب تضحية دون شروط”، ما يجعل الكثيرين عرضة للوقوع في فخاخ عاطفية لا يجرؤون على الانفكاك منها.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تضخيم هذه الظاهرة، إذ تحولت بعض العلاقات إلى فضاءات مراقبة دائمة، حيث يُقاس الحب بعدد الرسائل والردود، ويُختبر الولاء بمدى التواجد الرقمي المستمر. هنا يصبح “زر الحظر” أو “إخفاء آخر ظهور” أداة ابتزاز عاطفي معاصرة.
بين علم النفس والسوسيولوجيا: قراءة سوسيونفسية.
عند مقاربة الظاهرة من زاوية سوسيونفسية يتضح أن الابتزاز العاطفي ليس مجرد خلل فردي بل ظاهرة اجتماعية-نفسية مركبة تتقاطع فيها هشاشة البنية النفسية للفرد مع ثقافة اجتماعية تُضخِّم صورة الحب كامتلاك. فالمبتز غالبا ما يعاني من قلق الفقدان ومن تدني تقدير الذات، بينما الضحية تكون مشبعة بموروث اجتماعي يُملي عليها الخضوع حفاظا على “تماسك العلاقة”.
يؤكد علماء النفس الاجتماعي أن “العلاقة السامة لا تُبنى على ما يُقال، بل على ما يُسكت عنه”. وهذا ينطبق بدقة على الابتزاز العاطفي، إذ يتغذى على صمت الضحية وخوفها من المواجهة.
آثار الابتزاز العاطفي.
الابتزاز العاطفي يترك تداعيات عميقة:
* اضطرابات القلق والاكتئاب.
* تآكل الثقة بالنفس.
* اضطراب الهوية العاطفية حيث يفقد الفرد القدرة على التمييز بين الحب الحقيقي والاستغلال.
* انتقال السلوك عبر الأجيال: فالطفل الذي يشهد مثل هذه العلاقات قد يعيد إنتاجها في مستقبله.
نحو وعي وقائي.
مواجهة هذه الظاهرة تستدعي وعيا فرديا وجماعيا. فالفرد بحاجة إلى تطوير ما يُسمّى المناعة النفسية عبر تحديد حدوده العاطفية بوضوح وعدم الخضوع للتهديدات المستترة باسم الحب. والمجتمع بدوره مدعو إلى إعادة صياغة خطاب الحب بعيدا عن الامتلاك والتضحية المطلقة.
كما أن التربية العاطفية في المؤسسات التعليمية، وفتح النقاش حول الصحة النفسية من شأنهما أن يخلقا جيلا أقل عرضة للابتزاز وأكثر وعيا بحقوقه داخل العلاقات.
خاتمة.
الابتزاز العاطفي ليس قدرا محتوما، بل هو نتاج ديناميات نفسية واجتماعية يمكن كسرها بالوعي والمواجهة. ففي النهاية كما يقول إريك فروم: “الحب نضج داخلي يمنح الحرية، لا ساحة صراع تسلبها.”
قم بكتابة اول تعليق