موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
في عمق النفس البشرية حيث تختلط الهواجس بالمخاوف، يطلّ “الوسواس القهري” كضيف ثقيل الظل لا يطرق الأبواب، بل يقتحمها بلا مقدمات ويقيم في زوايا العقل بلا إذن أو رحيل وشيك.
حين لا تملك سيادتك على أفكارك.
الوسواس القهري (Obsessive Compulsive Disorder – OCD) ليس مجرد سلوكيات متكررة أو رغبة في الترتيب والتنظيف كما يشاع شعبيا، بل هو اضطراب نفسي معقّد يتّسم بوجود أفكار قهرية متطفلة (Obsessions) وسلوكيات قسرية (Compulsions) يقوم بها الشخص لتخفيف حدة القلق الناتج عن تلك الأفكار.
فالفرد المصاب لا يريد لتلك الأفكار أن تحضر، لكنه يعجز عن صدّها. هي لا تستأذن، ولا ترحل ببساطة. يقول الدكتور “جيفري شوارتز” أستاذ الطب النفسي بجامعة كاليفورنيا: “الوسواس القهري ليس جنونا، بل إدراك عميق بالأفكار التي لا يمكن التخلص منها مع وعي مؤلم بعدم منطقيتها، وهذا ما يجعله عذابا مزدوجا”.
بين الفكرة القهرية والسلوك الإلزامي.
تتخذ الأفكار القهرية أشكالا متعددة من الخوف من التلوث إلى الشك المرضي، أو حتى أفكار عدوانية ودينية لا تنسجم مع قيم الشخص. وتولٍّد هذه الأفكار قلقا شديدا يدفع الفرد إلى تكرار سلوكيات معينة (غسل اليدين، التحقق، العد، الترتيب…) بهدف تهدئة هذا التوتر وإن كانت التهدئة مؤقتة.
وهكذا يدخل المصاب في دائرة مغلقة: فكرة، قلق، سلوك، راحة مؤقتة، عودة الفكرة…
وكلما تكررت الدورة، كلما ترسّخت أكثر في الدماغ، مما يجعل العلاج أصعب دون تدخل تخصصي.
مقاربة سوسيونفسية للوسواس القهري.
بعيدا عن التفسير البيولوجي البحت لا يمكننا إغفال البعد السوسيوثقافي للوسواس القهري، حيث تسهم التربية الصارمة، الشعور بالذنب، التدين المتشدد أو المفاهيم المغلوطة عن الطهارة والخطأ في ترسيخ هذا النمط القهري.
ففي مجتمعات يختلط فيها الحلال بالحرام دون تدرّج فكري قد تُزرع في الفرد مفاهيم الخوف من العقاب الإلهي بدل حب الله، حيث يصبح الوسواس القهري في شكله الديني مثالا على كيف يمكن للنيّة الطاهرة أن تُشوَّه تحت ضغط فكري غير متزن.
وجع داخلي لا يُرى بالعين.
الوسواس القهري هو معاناة صامتة. المصاب به غالبا ما يخفيه خجلا أو خشية من وصمة “الجنون”. لكنه في حقيقته صراع داخلي منهِك.
تقول إحدى المريضات: “أشعر وكأن أحدهم يتحكم بي عن بُعد… أفكاري ليست أفكاري، لكنها تسيّرني كل يوم.”
وهنا تظهر أهمية الوعي المجتمعي، فكل كلمة استهزاء أو تهوين من شأن هذا الاضطراب قد تزيد من حدة العزلة النفسية لدى المصابين.
العلاج… كسر الدائرة المغلقة.
لحسن الحظ فالعلاج متوفر وفعّال. يجمع بين العلاج المعرفي السلوكي (CBT) وتحديدا تقنية التعرض ومنع الاستجابة (ERP) وبين الأدوية مثل مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية (SSRIs). ومع الإصرار والاحتواء، يمكن تقويض سطوة الوسواس.
يقول الطبيب النفسي الأمريكي جوناثان غرين: “العلاج لا يقتل الفكرة الوسواسية، بل يسحب منها قوتها، فلا تعود تُخيفك، ولا تدفعك لفعل ما لا تريد.”
رسالة ختامية.
الوسواس القهري ليس ضعفا في الإيمان ولا خللا في المنطق، بل اضطراب نفسي يستدعي التعاطف والفهم والدعم.
فكل فكرة تقتحم العقل دون استئذان تستحق أن يُفتح لها باب العلاج لا باب التوبيخ.
وحتى ذلك الحين، فلنكن أكثر رقة في أحكامنا، وأكثر إنصاتًا لمن يحمل في عقله ضجيجًا لا يُسمع، وألمًا لا يُرى.
قم بكتابة اول تعليق