الصحة النفسية في بيئات سامة: مقاومة الخذلان في صمت

موند بريس / بقلم : دة.سعاد السبع

في أروقة العلاقات اليومية، حيث نعيش ونشتغل ونتفاعل قد تكون البيئة المحيطة بنا أقرب إلى ساحة صراع منها إلى فضاء دعم. فحين تتحول العلاقات إلى مصدر استنزاف، والمؤسسات إلى قوالب ضغط نفسي تبدأ النفس في الانكماش بصمت وتتشكل ببطء ملامح الانهيار الداخلي.

يقول عالم النفس كارل يونغ: “البيئة المحيطة تؤثر فينا أكثر مما نود الاعتراف به، فهي تملك مفاتيح استقرارنا أو اضطرابنا النفسي.”
وهذا ما يتجلى بوضوح في البيئات السامة التي تخلو من الاحتواء وتفيض بالتنافس غير النزيه، أو بالتقليل من الآخر، أو باستدامة التهميش.

حين يصبح الصمت لغة النجاة.

في كثير من الحالات لا يملك الأفراد خيار المواجهة فيلجؤون إلى الصمت كآلية دفاعية. إلا أن هذا الصمت ليس دائما علامة على القوة، بل قد يكون صوت الألم المكبوت. يقول الطبيب النفسي ڤيكتور فرانكل: “الصراخ المكتوم أحيانا يكون أشد ضجيجا من كل الكلمات، لكنه لا يُسمع في البيئات التي اعتادت الإنكار.”

فالصحة النفسية تتآكل بصمت في المؤسسات التي لا تعترف بالمجهود، ولا تكرّم الكفاءة، ولا تحمي من الخذلان. فالموظف أو الفرد الذي يُخذل تكرارا من محيطه دون مساحة حقيقية للتعبير أو الإنصاف يبدأ تدريجيا بفقدان الإيمان بنفسه.

الخيانة النفسية من الداخل.

الخذلان لا يأتي فقط من الخارج، بل قد يتحول مع الوقت إلى خيانة من الداخل حين يبرمج الإنسان نفسه على التحمل الدائم حتى يُصبح التكيف مع الألم نمطَ حياة. وهنا تتجلى خطورة ما يسميه علماء النفس “التطبيع مع الأذى”، حيث يصبح الفرد متماهيا مع المعاناة إلى درجة لا يعود قادرا على إدراك حجم ما يعيشه من اختلالات.

العلاقات المسمومة: عبء على التوازن النفسي.

العلاقات المسمومة سواء في البيت أو العمل أو الدوائر الاجتماعية تمثل تهديدا مباشرا للتوازن النفسي. يصف عالم الاجتماع بيير بورديو هذه العلاقات بأنها: “عنف رمزي لا يُمارَس بالسوط، بل بنظرة أو تجاهل أو تهميش، لكنه يترك ندوبا أعمق من الجراح الظاهرة.”

متى نُدرك أن الرحيل علاج؟

في كثير من الأحيان لا يكون الحل في الصبر أو المواجهة بل في الرحيل. المغادرة من بيئة سامة لا تعني الضعف، بل قد تكون قمة النضج النفسي. يقول الباحث النفسي برين براون: “الرحيل من مكان يُقلل منك باستمرار ليس هروبا… بل احترام للذات.”

ختاما: لا مقاومة دون وعي.

مقاومة الخذلان في صمت ليست بطولة دائما، بل أحيانا تكون استنزافا خفيا. لذلك فالحفاظ على الصحة النفسية في بيئة سامة يتطلب أولا وعيا بحدود الذات، ثم شجاعة اتخاذ قرار البقاء أو المغادرة بناء على معيار وحيد: الكرامة النفسية.

“احذر أن تظل واقفا في مكان لا ترى فيه نورك، ولا يُسمع فيه صوتك، ولا يُحترم فيه وجودك… فالبيئة التي تخنق روحك لا تستحقك.”

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد