موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
في كل بيتٍ تدور معارك خفيّة، وتهدأ عواصف دون ضجيج، وتُقال كلمات بألف معنى، وتصمت العيون بما لا يقدر عليه اللسان. وبين الجدران الأربعة، تُصاغ العلاقات الإنسانية في أعمق صورها، حيث تنمو المشاعر، وتُختبر الروابط، وتُصقل الشخصية في بوتقة “العائلة” التي تُمثل أول مؤسسة اجتماعية ونفسية تحتضن الفرد.
1. الأسرة: الحاضنة الأولى للعاطفة والانتماء.
يُجمع علماء النفس على أن الأسرة تشكّل البيئة الحاسمة في بناء التوازن العاطفي للفرد. فكما عبّر “جون بولبي” (John Bowlby) مؤسس نظرية التعلّق فإن “العلاقات الأولى التي تربط الطفل بمقدّمي الرعاية تُشكّل نماذج داخلية يستند إليها في كل علاقاته اللاحقة”. بمعنى آخر أن شعور الأمان أو الخوف، القبول أو الرفض يُزرع أولا في كنف الأسرة.
في هذا السياق تلعب التفاعلات اليومية بين أفراد الأسرة دورا محوريا في نحت الحياة الشعورية، إذ أن نبرة الصوت، نظرات العتاب وحضن المساء أو غيابه، كلها رسائل رمزية تُخزَّن في الذاكرة الانفعالية وتُعيد تشكيل الوعي الذاتي والعلاقة بالآخر.
2. بين الحضور العاطفي والغِياب الصامت.
لا يكفي التواجد الفيزيائي داخل الأسرة لضمان الحضور العاطفي. فكم من أب يجلس لساعات في المنزل دون أن يمنح أبناءه لحظة إصغاء، وكم من أم تُدير شؤون البيت باحتراف، لكنها تغفل عن احتضان طفلها حين يُخفي دمعته وراء سؤال عابر.
هذا النوع من “الغِياب العاطفي” يولّد ما يُسميه “دانيال سيغل” (Daniel Siegel) بـ”الانفصال العاطفي الداخلي”، حيث يعيش الفرد حالة من التباعد مع ذاته بسبب ضعف الاتصال الشعوري مع محيطه الأسري. وقد يتجسد ذلك لاحقا في سلوكيات انعزالية، علاقات سطحية أو اختلالات في الهوية والانتماء.
3. الأسر السامة: حين تتحول المشاعر إلى أدوات قمع.
ليست كل البيوت آمنة عاطفيا. فهناك أسر تُمارَس فيها العاطفة بشكل انتقائي أو مشروط: “أحبك إذا نجحت”، أو “أقبلك إذا أطعتني”. هذه الرسائل المبطنة تؤدي إلى ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ”التحكم العاطفي”، حيث يُصبح الحب أداة للسيطرة، لا وسيلة للرعاية.
يقول عالم النفس “كارل روجرز”: “المشاعر لا تُرَبى بالخوف، بل بالقبول غير المشروط”. وغياب هذا القبول يولّد شعورا دائما بعدم الجدارة، وقد يُنتج شخصيات قلقة، تلهث خلف الاعتراف في كل العلاقات.
4. كيف نُعيد تربية العاطفة داخل أسرنا؟
الخطوة الأولى تبدأ بالوعي: وعي الآباء بأن المشاعر تُبنى بالكلمة واللمسة والنظر، وبأن جودة العلاقات لا تُقاس بعدد ساعات التواجد بل بعمق الحضور. أما الخطوة الثانية فتتمثل في تطوير مهارات الإصغاء والتعاطف داخل الأسرة، وهو ما تسميه الدراسات النفسية بـ”الاستجابة الانفعالية الراجعة”، أي كيف نُظهر للآخر أننا نراه ونفهمه ونشعر به.
كما ينبغي التحرر من أنماط التربية السلطوية التي تزرع الخوف بدل الثقة، وتُكبِت التعبير العاطفي باسم “الانضباط” أو “الحياء”، مما يولّد انفجارا داخليا في مراحل لاحقة.
5. نحو ثقافة أسرية عاطفية صحية.
في زمن تتسارع فيه الحياة وتضيق فيه المساحات الحقيقية للتواصل، بات من الضروري إعادة الاعتبار للعائلة كمساحة للدفء، لا فقط كهيكل اجتماعي. وهنا تبرز أهمية التربية العاطفية ضمن المناهج التربوية والإرشادية بحيث نُعلّم الأطفال والآباء على حد سواء كيف يُعبّرون عن شعورهم، كيف يُصغون، وكيف يطلبون الاحتضان بدل الغضب.
فالعاطفة ليست ترفا في الحياة الأسرية، بل هي البنية التحتية لكل علاقة سليمة والضمانة الأولى لصحة نفسية متوازنة.
خلاصة:
حين نفهم أن المشاعر داخل الأسرة ليست مجرد تفاعلات عابرة، بل أساسا للكينونة والهوية سنعيد النظر في تفاصيل يومنا الأسري، ابتداء من الطريقة التي نُنادِي بها أبناءنا ووصولا للحظات الصمت التي نملؤها أو نتركها فارغة. فـ”البيت الذي لا يربّي شعورا سليما يخرّج شخصا ممزقا بين ما يُظهِر وما يُخفي”.
كما تقول الكاتبة “بيرن براون” (Brené Brown): “نحن مخلوقات عاطفية تسعى لفهم الحياة من خلال الشعور لا من خلال الصمت”. ولن نجد بيئة أنسب لتعلّم هذا الفن سوى في حضن أسرة تحتضننا بصدق لا بشروط.
قم بكتابة اول تعليق