موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
في زحمة الطفولة وتقلّبات المراهقة، ثمة ألم خفيّ لا يُرى بالعين المجردة، ولكنه ينهش الأرواح الغضّة من الداخل. إنه الاكتئاب النفسي لدى الأطفال والمراهقين، ذاك الاضطراب الذي لم يعد مقتصرًا على الكبار، بل تسلّل إلى البدايات حيث يفترض أن تنبت الحياة لا أن تذبل.
حين يختبئ الحزن خلف ابتسامة مكسورة.
تُشير الجمعية الأمريكية للطب النفسي APA) 2022) إلى أن “الاكتئاب لدى الأطفال ليس مجرد حزن عابر أو مزاج سيئ، بل اضطراب نفسي حقيقي يؤثر في طريقة تفكير الطفل وشعوره وتفاعله مع محيطه.” وقد تبدو أعراضه خادعة: انعزال، نوبات غضب، ضعف الشهية، تراجع الأداء الدراسي، اضطرابات النوم… كلها إشارات غالبا ما تُفسر اجتماعيا بسوء التربية أو التمرد، فيما الجذور أعمق بكثير.
الأسباب: ما الذي يُطفئ شمعة الطفولة؟
عوامل بيولوجية ووراثية: تؤكد الدراسات الحديثة على وجود استعداد وراثي لدى الأطفال الذين لديهم تاريخ عائلي مع الاكتئاب أو اضطرابات المزاج، إذ ترتفع احتمالات الإصابة لديهم بنسبة تقارب 40% (NIMH, 2021).
البيئة الأسرية المضطربة: الطلاق، الإهمال العاطفي، التسلّط، العنف الأسري أو انشغال الوالدين الدائم… كلها عوامل تشكّل بيئة غير آمنة نفسيا، تمهّد لظهور الاكتئاب.
الضغوط الدراسية والاجتماعية: المنافسة، المقارنات، التنمر المدرسي أو الإلكتروني، والإفراط في استخدام الشاشات… أصبحت اليوم مصادر ضغط يومي تدفع الطفل والمراهق نحو الانهيار الداخلي.
التحولات الهرمونية في مرحلة المراهقة: لا يمكن إغفال التغيرات البيولوجية الكبيرة في سن البلوغ، والتي تخلخل التوازن النفسي وتزيد من هشاشة الاستقرار العاطفي.
النتائج: عندما يتحوّل الصمت إلى خطر.
اكتئاب الطفولة والمراهقة ليس أزمة عابرة، بل قد يؤدي إلى:
* تراجع تحصيلي وانخفاض الدافعية.
* سلوكيات عدوانية أو انسحابية.
* إدمان مبكر على الإنترنت أو المخدرات.
* ميول انتحارية في الحالات المتقدمة.
وقد بيّنت منظمة الصحة العالمية (WHO, 2023) أن الاكتئاب هو من أهم ثلاثة أسباب للوفاة بين المراهقين عالميا، ما يبرز خطورته في غياب التشخيص المبكر والتدخل المناسب.
الحلول: نحو استباق الألم بالصحة النفسية.
* التربية الوجدانية الإيجابية: يحتاج الأطفال إلى الاحتواء قبل التربية، إلى الإصغاء أكثر من الأوامر. فالأمان العاطفي في الطفولة هو خط الدفاع الأول ضد الاكتئاب.
* التشخيص المبكر والعلاج النفسي: يجب تدريب الأسر والمعلمين على التعرف على العلامات الأولى للاكتئاب. و يعد العلاج المعرفي السلوكي (CBT) والعلاج الأسري من أبرز التدخلات الفعالة بحسب جمعية الطب النفسي للأطفال والمراهقين (AACAP, 2022).
* المدرسة كحاضنة نفسية: من الضروري تفعيل دور المستشار النفسي داخل المؤسسات التعليمية وتوفير فضاءات للبوح والحوار بدل اقتصار المدرسة على التقييم والضغط.
* تقنين استخدام الشاشات وتعزيز الأنشطة البدنية والفنية والاجتماعية، إذ أثبتت العديد من الدراسات أن النشاط البدني يفرز مواد كيميائية دماغية تقلل من الاكتئاب وتحفز الشعور بالسعادة.
صرخة لا بد أن تُسمع.
إن الطفولة ليست دائما مرادفا للبهجة، والمراهقة ليست دائما تمرّدا. ثمة أطفال يضحكون والدمع في دواخلهم، ومراهقون يصمتون لأن لا أحد يصغي لأسئلتهم الوجودية. كما قال عالم النفس كارل يونغ: “أعظم ألم في الطفولة هو أن لا يفهمك أحد”.
فلنكن ذلك الفهم، ولنكن ذلك الحضن، ولنعترف بأن الاكتئاب لا يفرّق بين الكبار والصغار، لكنه حين يسكن القلوب الصغيرة… تكون الفاتورة أفدح، ما لم نُبادر بالعلاج قبل فوات الأوان.
قم بكتابة اول تعليق