الاكتئاب المقنّع: حين تختبئ الجراح خلف الأقنعة

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

في عالمٍ تُقدَّس فيه الابتسامة وتُستنكر فيه الانكسارات، يضطر كثيرون إلى إخفاء معاناتهم النفسية خلف أقنعة من التماسك والمرح المصطنع. فيظهرون بمظهر الأصحّاء، بينما تنزف أرواحهم بصمت. إنه الاكتئاب المقنّع (Masked Depression)، الوجه الآخر لاضطراب الاكتئاب، حيث يتخفّى الألم النفسي وراء أعراض جسدية أو سلوكية لا تُفسَّر بسهولة.

 

بين الظهور والخفاء: ما هو الاكتئاب المقنّع؟
الاكتئاب المقنّع ليس نوعا منفصلا من الاكتئاب بقدر ما هو شكل خفي منه، تتوارى فيه الأعراض النفسية الواضحة (كالحزن وفقدان المتعة) خلف تجليات جسدية أو سلوكيات اعتيادية. فيبدو الشخص منشغلا، منتجا وربما ساخرا، لكنه في داخله يعيش ألما عميقا، بلا اسمٍ أو ملامح محددة.

يقول الطبيب النفسي الألماني Hubertus Tellenbach إن “أخطر أشكال الاكتئاب، هي تلك التي تُخفي نفسها خلف روتين الحياة اليومية، فتتفشى كسمٍّ هادئ في النفس”. وهذا ما يجعل هذا النمط من الاكتئاب عصيّا على التشخيص، ويطيل أمد المعاناة.

 

كيف يتخفّى الاكتئاب؟
يتجلى الاكتئاب المقنّع في عدة صور منها:

* آلام جسدية مزمنة: كالصداع، اضطرابات المعدة وآلام العضلات دون سبب عضوي واضح.

* النشاط المفرط أو الإنجاز المهووس: هروب من الذات وتجنّب للمواجهة مع المشاعر.

* الانعزال العاطفي والسطحية الاجتماعية: حيث يغدو التواصل سطحيّا لتجنّب العمق الذي قد يفضح هشاشة داخلية.

* التهكّم والسخرية الزائدة: كآلية دفاع لإخفاء الحزن والمرارة.

* الانغماس في العطاء المفرط: كما في “متلازمة المنقذ”، حيث يعتني الفرد بالجميع لينسى ذاته.

وغالبا ما يكون أصحاب هذا النوع من الاكتئاب من ذوي الأداء العالي، الذين يُتوقع منهم دوما أن يكونوا بخير، مما يدفعهم إلى كبت آلامهم خوفا من الانهيار الاجتماعي أو خيبة المحيطين.

 

لماذا يُقنّع الإنسان اكتئابه؟
– الخوف من الوصم: في مجتمعات تخلط بين الصلابة النفسية وإنكار الألم، يُنظر للاعتراف بالاكتئاب كضعف.

* الضغوط الثقافية والاجتماعية: التي تُلزم الفرد بتقمص أدوار “المتفائل القوي”.

* الإنكار الداخلي: حيث يرفض الشخص الاعتراف بما يشعر به حتى أمام نفسه، فيستبدل الحزن بأعراض جسدية أكثر “قبولا”.

* عدم الوعي بالمشكلة: فالكثيرون لا يدركون أن وراء آلامهم
الجسدية نفسا متعبة.

 

التأثيرات النفسية والاجتماعية.
الاكتئاب المقنّع أشد فتكا من الاكتئاب المعلن، لأنه:

* يتأخر تشخيصه مما يؤدي إلى تفاقم الحالة.

* يُستنزف الفرد من الداخل دون أن يتلقى دعما نفسيّا.

* يعطّل العلاقات الاجتماعية، حيث تبدو المظاهر بخير لكن العمق هش ومتألم.

* يؤثر على الأداء الوظيفي والعائلي رغم الإنجاز الظاهري.

يقول عالم النفس Carl Jung: “الناس سيتعاملون معك كما تبدو، لا كما تشعر. فكن حذرا من أن تُقنِع العالم بوجهٍ لا يشبهك”. وهنا تكمن خطورة الاكتئاب المقنّع: أن ينجح صاحبه في إقناع الجميع… حتى نفسه.

 

كيف نواجه هذا النمط من الاكتئاب؟
* الاعتراف بالمشاعر دون خجل: فلا شفاء دون وعي بالألم.

* الاهتمام بالأعراض النفسجسدية: خاصة عندما تكون متكررة وغير مفسّرة طبيّا.

* الحديث مع مختص نفسي: لفكّ رموز الأعراض المقنّعة، واستيعاب الخلفيات النفسية.

* التربية العاطفية منذ الصغر: حتى لا يكبر الإنسان على كبت انفعالاته.

* كسر ثقافة “كل شيء بخير”: بأن نسمح لأنفسنا وللآخرين أن لا يكونوا بخير دائما.

 

في الختام
الاكتئاب المقنّع هو جرح داخلي يُخفى بحذر، لكنه لا يلتئم بالصمت. إننا بحاجة إلى وعي مجتمعي وثقافة نفسية راقية تعترف بأن التماسك لا يعني الصحة، وأن الشخص الذي يضحك كثيرا قد يكون الأكثر ألما. لأن “أشد الناس حاجة إلى العناق، هم أولئك الذين يقولون دوما: لا تقلق، أنا بخير”.
تقول Françoise Dolto المحللة النفسية الفرنسية:
“ما لا يُقال… لا يموت، بل يتسرّب إلى الجسد.”

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد