موند بريس / دة. سعاد السبع
في مجتمعات تُمجِّد الصلابة وتُجرّم الضعف، يصبح الألم النفسي خيانة غير معلنة، ويُختزل الإنسان في قدرته على التماسك. لكن ماذا لو كان هذا “التماسك” مجرد خدعة نفسية جماعية؟ ماذا لو أن الابتسامة التي نراها يوميا على وجوه الناس تخفي خلفها هشاشة داخلية تهدد بالانفجار؟
هكذا يولد مفهوم “الصحة النفسية المقنَّعة”، أو كما يسميه البعض: “المرض النفسي عالي الأداء”، حيث يواصل الفرد لعب أدواره الاجتماعية والمهنية بنجاح ظاهري، بينما يعيش خلف الكواليس النفسية معاناة صامتة تتآكل مع الوقت.
الوجه الاجتماعي للمأساة النفسية.
في علم النفس الاجتماعي، يُشير مفهوم “التمثيل الاجتماعي” إلى تلك الأدوار التي يؤديها الفرد بما يتوافق مع انتظارات المجتمع. وبحسب الباحث إرفينغ غوفمان في كتابه “عرض الذات في الحياة اليومية”، فالفرد في المجتمع مثل ممثل على خشبة المسرح، يرتدي أقنعة متعددة حسب السياق، ويتجنب كشف ما قد يُفسَّر كفشل أو ضعف.
هذه النظرية تفسّر لماذا يحرص الكثير من الناس على الحفاظ على مظاهر التوازن النفسي رغم الانهيار الداخلي. فالضغط المجتمعي للظهور بمظهر “الناجح السعيد” يُفضي إلى تشويه الوعي الذاتي، وتغذية نوع من الاغتراب النفسي بين الذات الحقيقية والذات الظاهرة.
مقاربة سيكولوجية: ماذا يحدث في العمق؟
من منظور علم النفس الإكلينيكي، يُعاني كثير من الأشخاص مما يُعرف بـالاكتآب عالي الأداء (High-functioning Depression)، حيث يستمر الفرد في أداء واجباته بكفاءة، ويبدو نشطا أمام الناس، بينما يعيش داخليا مشاعر الحزن المزمن، فقدان المعنى والقلق الوجودي.
وتؤكد دراسات Judith Beck وAaron T. Beck – رواد المدرسة المعرفية – أن الكثير من الاضطرابات النفسية لا تُظهِر أعراضا تقليدية، بل تتخفى خلف أنماط التفكير السلبي التلقائي، التوقعات المثالية والشعور بالذنب المزمن، وهي أمور لا تُرى في الظاهر، لكنها تنهك النفس على المدى الطويل.
حين يعلِّم المجتمع الكبت بدل التعبير.
من المقاربات السوسيو-نفسية المهمة لفهم الظاهرة، ما طرحته المدرسة النقدية من أن المنظومة الاجتماعية تلعب دورا مباشرا في إنتاج الاضطراب النفسي. فثقافة “النجاح بأي ثمن”، و”الرجل لا يبكي”، و”الصبر فضيلة” تعيد برمجة الفرد على أن يُخفي ألمه، ويشعر بالذنب إذا اشتكى.
أما في المجتمعات العربية فالاعتراف بالحالة النفسية يُقابَل أحيانا بالوصمة أو الشك في القوة العقلية، ما يجعل الأفراد يُقنِعون أنفسهم أن ما يعيشونه “أمر عادي”، وأنه لا يحق لهم التعب، فيزداد الألم صمتا وتعقيدا.
الثقافة الرقمية وتضخيم الصورة المثالية.
مع هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر عامل جديد يزيد الطين بلة ألا وهو مقارنة الذات بالنسخ الحسنة للآخرين. فقد بات الناس يُعرّفون أنفسهم انطلاقا من مدى تشابههم مع الصور النموذجية المتداولة، لا بناءً على حقيقتهم الداخلية. وهكذا تُصاب النفس بما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ “الاستيلاب الرقمي”، حيث يصبح التقدير الذاتي رهينا بعدد الإعجابات والمظاهر الخارجية.
المظاهر الخادعة: مؤشرات يجب الانتباه لها.
من أخطر ما في هذا النوع من الاضطرابات النفسية المقنّعة أنها تمر دون ملاحظة. لكن هناك علامات تحذيرية قد تكشف المستور، منها:
* الإنهاك النفسي الدائم رغم الراحة الجسدية.
* البكاء الليلي المتكرر أو الشعور بالفراغ بعد لحظات النجاح.
* فقدان المعنى أو الحماس رغم الإنجاز المهني.
* الرغبة في الانسحاب رغم النشاط الاجتماعي.
* نوبات القلق أو الصداع النفسي غير المبرر طبيا.
نحو وعي جديد بالصحة النفسية.
لقد آن الأوان لإعادة تعريف الصحة النفسية، ليس كغياب للمرض فقط، بل كحضور للتوازن الداخلي، ولقدرة الإنسان على التعبير عن ذاته دون خوف أو خجل. وهذا يتطلب تغييرات جذرية في:
* المنظومة التربوية: بإدراج التربية النفسية في المناهج الدراسية.
* الإعلام: بالتوقف عن ترويج صورة الإنسان الكامل الخالي من الألم.
* السياسات العمومية: بجعل الدعم النفسي حقًّا اجتماعيا لا رفاها.
* الخطاب الديني والثقافي: بتشجيع التعاطف لا الوعظ القاسي.
ختاما.
كثيرة هي الأرواح التي تنزف بصمت خلف قناع الابتسامة والنجاح واللباقة الاجتماعية. إن أخطر الأمراض النفسية ليست تلك التي نراها، بل التي لا نراها. فلنُصغ جيدا لمن حولنا، لا إلى ما يقولونه، بل إلى ما يُخفونه. ولنربّي أبناءنا على أن الاعتراف بالضعف شجاعة لا هزيمة.
قم بكتابة اول تعليق