موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في عمق التجربة الإنسانية، تسكن ظاهرة لا تكاد تخلو منها حياة فرد، مهما بلغ من النضج أو التحصين العاطفي، إنها ظاهرة رفع سقف التوقعات في الأشخاص والعلاقات، والارتطام المرّ بجدار الخذلان، وما يتبع ذلك من انتكاسة نفسية, قد لا تكون هينة الأثر، ولا عابرة الوجع.
يضع الإنسان، بطبيعته العاطفية والاجتماعية، رهانات كبرى على الآخر، يتخيله سندا، وملاذا، ومصدرا للطمأنينة أو الفهم أو الحب أو الشراكة. وفي لحظة دفء أو تماه، قد يُعلّي سقف انتظاراته إلى حدود, يصعب على الطرف الآخر بلوغها، ليس بالضرورة عن سوء نية، بل لأن التوقعات كثيرا ما تُبنى على صورة داخلية رغائبية لا واقعية.
التوقعات كآلية دفاعية وكحاجة وجودية
من منظور علم النفس الديناميكي، يشير المحللون النفسيون إلى أن رفع سقف التوقعات يُعد أحيانا آلية دفاعية لاواعية، تُسقط فيها الذات حاجاتها غير المشبعة على الآخر، فتطلب منه أن يكون كل ما افتقدته يوما ـ أبا، أمّا، صديقا، مخلصا، شافيا… ـ وهنا تقع المعضلة، إذ يصبح الآخر مجرد مرآة لاحتياجاتنا، لا كينونة مستقلة.
أما من منظور علم النفس الإنساني، فإن الإنسان لا يبالغ في انتظاراته من فراغ، بل يفعل ذلك مدفوعا بحاجة أصيلة إلى التواصل والانتماء والمعنى، كما طرحها “أبراهام ماسلو” في هرمه الشهير. غير أن المشكلة تنشأ حين تُختزل العلاقة في التوقع، ويُلغى الآخر لصالح الصورة المثالية، التي نسقطها عليه.
المقاربة الاجتماعية: بين الثقافة والعلاقات
في المقاربة السوسيولوجية، يشير الباحثون إلى أن الثقافة المجتمعية تسهم في تشكيل أنماط التوقعات، خصوصا في السياقات التي تُضخم من معاني الرومانسية، أو تروّج لفكرة “النصف الآخر الكامل”، أو تفرض قوالب مثالية للعلاقات، دون توفير أدوات التفاوض العاطفي، أو مهارات حل النزاعات.
ففي مجتمعات تُكبّل الأفراد بلغة الكتمان، و”تجمّل” الانفصال، وتجرّم الخذلان دون تسميته، يُضخم وقع الخيبة. ذلك أن الفرد لا يخيب ظنه فقط في الآخر، بل في المنظومة التي وعدته بأن الحبّ، أو الصداقة، أو القرابة، تمنح الأمان المطلق.
الانتكاسة النفسية: من الألم إلى الانهيار
حين تقع الخيبة، تتصدّع المنظومة النفسية للمرء، خاصة إذا ارتبطت التوقعات بهوية الشخص، أو بأمانه العاطفي. وقد تأخذ الانتكاسة أشكالا عدة:
* اكتئاب حاد مصحوب بفقدان الحافز، وفقدان الثقة بالذات؛
* قلق وجودي حاد ينجم عن الشك في قيمة العلاقات الإنسانية؛
* ميول انسحابية تعزل الشخص عن محيطه خوفا من تكرار الخذلان؛
* أو في حالات أخرى، قد تظهر أنماط نرجسية انتقامية كرد فعل دفاعي.
الأخصائيون النفسيون يشيرون إلى أن الانتكاسة في هذه الحالات قد تكون أشد ألما من الصدمة الفعلية، لأنها تعبّر عن انكسار في التوقعات، لا في الواقع فقط، أي أننا نتألم لما لم يحدث كما تمنيناه، أكثر من الألم الناتج عن ما حدث فعلا.
كيف نتعافى؟
توصي المقاربات العلاجية النفسية بعدة خطوات للوقاية والتعافي:
* تفكيك التوقعات المبالغ فيها عبر الوعي بحدود الذات وحدود الآخر؛
* بناء علاقات واقعية على أساس الحوار، لا الإسقاط؛
* تحقيق التوازن بين العطاء والانتظار؛
* مرافقة العلاج النفسي عند حدوث الانتكاسة، خاصة في الحالات التي تتكرر فيها الخيبات، وتُعمّق الجراح القديمة.
التوقع ليس خطيئة… لكنه ليس يقينا
في النهاية، لا ينبغي لنا أن نُدين التوقعات، ولا أن نخجل من انتظاراتنا، فهي وجه من وجوه الأمل الإنساني، لكنها تحتاج إلى وعي ناضج، و”تقدير واقعي” للناس والأحداث. فليكن سقف توقعاتنا إنسانيّا، لا ملائكيا… ولنمنح علاقاتنا مساحات للخطأ، كما نمنح قلوبنا حقها في الترميم لا الانكسار.
قم بكتابة اول تعليق