موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في قلب البنية الاجتماعية، تتسلل الهيمنة الذكورية كسلطة رمزية ونظام ثقافي راسخ، يفرض تمثلاته على أنماط التفكير والسلوك، ويوجه العلاقات بين الجنسين داخل المجتمع، سواء على مستوى الحياة الخاصة، أو في الفضاءات العامة، من الأسرة إلى الإدارة، ومن الحقل الرمزي إلى الواقع المؤسساتي. إنها ليست مجرد تمظهرات سلوكية، أو نزعة فردية، بل منظومة تاريخية معقدة، تتغذى من أعماق الذاكرة الثقافية، ومن آليات التنشئة الاجتماعية.
الهيمنة الذكورية: منظور سوسيولوجي
وفقًا لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، فإن الهيمنة الذكورية ليست فقط علاقة قوى بين الجنسين، بل هي علاقة رمزية، تُمارس من خلال ما يسمى بـ”العنف الرمزي”، أي ذاك النوع من العنف الذي يمارس دون إدراك، عبر اللغة والعادات والمؤسسات. ويتجلى في تمثلات الأدوار الجندرية وتقسيم العمل، وفي منح الشرعية للسلطة الذكورية، وكأنها طبيعية أو حتمية بيولوجية.
وتؤكد الدراسات السوسيولوجية أن هذا النظام الهيمني يتغلغل في مفاصل المجتمع من خلال أشكال متعددة: تفضيل الذكور في سوق العمل، تقزيم مساهمة المرأة في مراكز القرار، تسليع الجسد الأنثوي في الإعلام، احتكار الذكور للخطاب الديني والسياسي، ناهيك عن التمييز في الأدوار داخل الأسرة.
التنشئة الاجتماعية: المرأة كفاعل في إعادة إنتاج الهيمنة
من المفارقات اللافتة أن المرأة – الضحية المفترضة – تساهم، أحيانا دون وعي، في إعادة إنتاج هذا النظام، من خلال أدوارها في التنشئة الاجتماعية. إذ تُلقَّن الفتيات منذ الطفولة أنوثة منقوصة، مفعمة بالامتثال والخضوع، وتُطبِّع الفتيان على قيم السيادة والسلطة. فالمدرسة والمسجد والبيت والوسائط الإعلامية، تشكل مجتمعة “مصانع رمزية”، تصوغ الفروق بين الجنسين، وفقا لقواعد السلطة الذكورية.
وتشير أبحاث في علم النفس الاجتماعي إلى أن المرأة قد تلعب أدوارا، تكرّس التمييز من خلال لغة الخطاب (“الرجل سند” ـ “الرجل لا يُبكى أمامه” ـ “المرأة نصف عقل”)؛ أو من خلال ممارساتها كأم، تميز بين الذكور والإناث في الواجبات المنزلية، والتوقعات السلوكية.
داخل المؤسسات: سلطة ناعمة وخفية
لا تتجلى الهيمنة الذكورية في المؤسسات في قلة تمثيلية النساء في مراكز القرار فقط، بل أيضا فيما يسمى بـ**”السقف الزجاجي”** (Glass Ceiling)، حيث تُمنع النساء بشكل غير معلن من الترقية، رغم كفاءتهن. كما تظهر في الخطاب التنظيمي ذاته، الذي يُعلي من شأن “الحزم” و”الصرامة” – صفات تُسند عادةً للذكور – ويقلل من قيمة “الذكاء العاطفي” أو “الحدس الاجتماعي”، اللذين يُربطان بالأنوثة.
وتسجل تقارير المنظمات الدولية أن النساء يواجهن تمييزا هيكليا ومؤسسا، يتراوح بين الأجر غير المتكافئ وظروف العمل المجحفة، وصولا إلى التحرش المبني على النوع.
نحو تفكيك الهيمنة: من الإدراك إلى الفعل
إن كسر دائرة الهيمنة لا يتم فقط من خلال سنّ قوانين المساواة، بل من خلال تفكيك البنية الرمزية، التي تمنح الشرعية لهذا النظام. ويبدأ ذلك بإعادة النظر في آليات التنشئة، وإحداث ثورة معرفية في التربية على النوع الاجتماعي، وتعزيز ثقافة المساواة في المناهج التعليمية والبرامج الإعلامية.
كما يتطلب الأمر من النساء والرجال على السواء مساءلة الموروث الثقافي، وتفكيك أنماط التفكير، التي تنظر إلى السلطة الذكورية كأمر “طبيعي”. فالنضال النسوي لا ينبغي أن يكون نسائيا فقط، بل إنسانيا شاملا، يستند إلى وعي نقدي جماعي.
الهيمنة الذكورية ليست قدرا، ولا ضرورة اجتماعية، بل بناء اجتماعيا، يمكن إعادة تفكيكه متى ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية التربوية والوعي المجتمعي. والخطوة الأولى تبدأ من الاعتراف بأن المرأة ليست فقط ضحية هذا النظام، بل في كثير من الأحيان شريكة في إعادة إنتاجه، عن غير وعي، عبر أدوارها الرمزية والتربوية. لذلك، فإن تفكيك الهيمنة الذكورية يمر بالضرورة من بوابة التنشئة الاجتماعية، ومن قلب الذات الأنثوية نفسها، التي يجب أن تستعيد وعيها وفاعليتها في صياغة مجتمع متوازن وعادل.
قم بكتابة اول تعليق