موند بريس.
يمكن تلخيص نتائج زيارة رئيس أركان الجيش الجزائري؛ سعيد شنقريحة، إلى الجمهورية الإسلامية الموريتانية التي دامت ثلاثة أيام في نقطتين، تتعلق الأولى بالمجال العسكري؛ في ما ترتبط الثانية بالتجاذبات السياسية الإقليمية.
في على المستوى العسكري، اتفق قائدا الجيشين الموريتاني والجزائري على تشكيل دوريات عسكرية مشتركة بين الجيش الموريتاني ونظيره الجزائري على امتداد الحدود المشتركة بين الدولتين. أما على المستوى السياسي؛ فقد سلم شنقريحة رسالة موجهة من الرئيس الجزائري؛ عبد المجيد تبون، إلى الرئيس الموريتاني؛ محمد ولد الشيخ الغزواني، يدعوه مجددا للإلتحاق بالتكتل الثلاثي أو ما يعرف بـ”التحالف المغاربي البديل عن اتحاد المغرب العربي”؛ والذى تسعى الجزائر لإقامته دون وجود المملكة المغربية.
خنق العصابات وتضرر الجنرالات
تفاعلا مع ذلك، كشف الخبير الأمني والاسترتيجي؛ محمد الطيار، أنه بخصوص ما جاء في الإتفاق بين الجيشين حول تشكيل دوريات مشتركة على الحدود، فإن “ظاهر هذا الإتفاق شيء وباطنه شيء آخر”؛ فموريتانيا لديها دوريات برية مشتركة على الحدود مع كل من جارتها الجنوبية الغربية السنغال وجارتها الجنوبية الشرقية مالي، ودوريات بحرية مشتركة حتى مع إسبانيا، ودورية أخرى مع الجزائر لن تضيف شيئا”.
وحاول الطيار أن يكشف خلفيات الإتفاق على الدوريات البرية المشتركة بين الجزائر وموريتانيا، خاصة بعدما قررت هذه الأخيرة إعلان حدودها مع الجزائر منطقة عسكرية وسعت خلال السنوات الأخيرة إلى عدم تسرب عصابات البوليساريو إلى أراضيها الشمالية عبر تعزيز تواجدها العسكري، مشددا على أن “الجزائر هي المتضررة من هذا القرار الموريتاني”.
ويوضح المتحدث أن المناطق الموريتانية الشمالية كانت قبل سنوات قليلة هي مسار تهريب المخدرات خاصة الكوكايين والإتجار غير القانوني في عدد من المواد؛ من الغازوال والأسلحة والمواد الغذائية، مشيرا إلى أن كل هذه آلعمليات غير القانونية كانت تنعش مخيمات تندوف بالجزائر ويستفيد منها قادة البوليساريو وجنرالات الجيش الجزائري.
ويرى الخبير الأمني والاسترتيجي أن قادة البوليساريو وجنرالات الجزائر متورطين في عمليات التهريب على مستوى المناطق الحدودية بين الجزائر وموريتانيا، لافتا إلى أن تشديد هذه الأخيرة لتواجدها العسكري ليس في مصلحة الجزائر لأنه خنق عصابات التهريب والإتجار غير القانوني وأوقف تسلل مليشيات البوليساريو إلى الاراضي الموريتانيا لمحاولة استهداف القوات المسلحة المغربية.
مراكمة الفشل في مبادرة فاشلة
وفي ما يتعلق، بتجديد الرئيس الجزائري؛ عبد المجيد تبون، دعوة موريتانيا للإنضمام إلى التحالف المغاربي البديل عن اتحاد المغرب العربي، رد الطيار، بأنه من المستبعد أن تشارك موريتانيا في اللقاء الجديد الخاص بالإتحاد الذي يزعم أنه بديل لاتحاد المغرب العربي، والمرتقب أن تحتضنه ليبيا.
ويؤكد الخبير الإستراتيجي أن الدولة الموريتانيا تعيي جيدا مستوى مصالحها مع المغرب وتعلم يقينا أن تقدم بلادها مرتبط بالمشروع الأطلسي الإفريقي ومبادرة خط أنبوب الغاز المغرب ـ نيجيريا، فضلا عن العلاقات الثنائية التقليدية والمشاريع التي تجمع البلدين؛ ومنها تحديث شبكة الطرق بموريتانيا.
وخلص الطيار بالتأكيد أنه بالرغم من المحاولات التي تقوم بها الجزائر لاستمالة موريتانيا وجرها للإنضمام إلى مشروع التكتل الضعيف، إلا أنه من المستبعد أن يكون لها ما أرادت، علما أن الرئيس تبون كان ينوي زيارة موريتانيا للحديث مع الرئيس الموريتاني من جديد حول موضوع هذه المبادرة، إلا أنه تراجع عن الزيارة لما تأكد أن هدفه لن يتحقق.
من حهة أخرى، ورغم توضيح بعض الأطراف، خاصة في ليبيا، أن هذه اللقاءات تهدف فقط إلى مناقشة القضايا الأمنية المشتركة وليست موجهة ضد أي دولة، إلا أن العديد من المهتمين يؤكدون أن المغرب وموريتانيا معنيتان بدورهما بهذه القضايا، كونهما جزءا لا يتجزأ من الفضاء المغاربي ودولتين فاعلتين فيه، مشيرين إلى محاولة الجزائر استغلال الانقسام السياسي في ليبيا للضغط على بعض الأطراف لقبول فكرة هذا التكتل البديل الذي يسعى لمحاصرة المغرب وإبعاده عن الشأن المغاربي.
وفي هذا السياق، قال إدريس أحميد، محلل سياسي ليبي، إن “المجلس الرئاسي الليبي سبق أن عبر عن موقفه من مبادرة إنشاء تكتل مغاربي ثلاثي يستبعد المغرب وموريتانيا، غير أن الحديث مجددا عن هذه الفكرة يطرح العديد من التساؤلات”، مضيفا أن “تبرير تشكيل هذا التكتل بأسباب أمنية تتعلق بضبط الحدود، لا يستقيم؛ لأن الرباط ونواكشوط معنيتان أيضا بقضايا المنطقة”.
وأوضح أحميد، في تصريح صحفي أن “المبادرة الجزائرية المتعلقة بهذا التكتل تتناقض مع دعوات الجزائر لإحياء اتحاد المغرب العربي، وبالتالي على الجزائر مراجعة سياساتها في المنطقة وعدم استغلال الأزمة الليبية للضغط على الأطراف السياسية لصالحها”.
وأكد المحلل السياسي ذاته أن “الجزائر يجب أن تبقى على مسافة واحدة من جميع الأطراف الليبية. على سبيل المثال، استغربنا عدم رضا الجزائر عن تحركات الجيش الليبي لتأمين الحدود”. وأضاف أن “فكرة إنشاء تكتل مغاربي بديل تحت أي غطاء لن تنجح، لأنها فكرة وُلدت ميتة ولا يمكنها إلغاء الجغرافيا أو إلغاء اتحاد المغرب العربي الذي يضم الدول الخمس. المنطقة المغاربية لا تحتمل المزيد من الانقسامات”.
وأشار إلى أن “الجزائر يجب أن توضح الأهداف الحقيقية من وراء هذه اللقاءات الثلاثية، كما يجب أن تفهم أن المجلس الرئاسي الليبي هو مجلس مؤقت انتهت صلاحيته، وأي اتفاق يضر باتحاد المغرب العربي سيظل مجرد حبر على ورق. ليبيا اليوم في مرحلة انتقالية، وأي اتفاق من هذا النوع لن يُنفذ، خاصة مع وجود مؤسسة البرلمان التي سترفض بكل تأكيد هذا الأمر”.
من جهته، قال مصطفى رحاب، أستاذ جامعي ليبي باحث في الشأن السياسي، إن “كلاً من الرئيس الجزائري ورئيس المجلس الرئاسي الليبي ينطبق عليهما المثل القائل: تمسك غريق بغريق، لأنهما لا يملكان زمام الأمور في بلديهما، فكيف يمكن التوجه إلى تأسيس تكتل ثلاثي تتزعمه الجزائر؟ الواضح أن الهدف هو إبعاد المغرب عن الشأن المغاربي، وخاصة عن الشأن الليبي”.
وأضاف الأكاديمي الليبي أن “هذه المحاولة الجزائرية تهدف أيضا إلى افتعال الأزمات للهروب من تردي الأوضاع في كل من تونس والجزائر، ومحاولة استغلال الوضع في ليبيا للالتفاف على دور المغرب في جمع الفرقاء الليبيين بعيدًا عن الأهداف الشخصية التي يتسم بها تدخل تبون في هذه المسألة”.
وشدد المتحدث لهسبريس على أن “التحركات الجزائرية تهدف، للأسف، إلى عرقلة الاتحاد المغاربي وتفتيت الجهود الرامية إلى إحيائه”.
قم بكتابة اول تعليق