موندبريس
شهدت عدد من المدن المغربية الكبرى، الأحد الماضي، احتجاجات عارمة شارك فيها الالاف من المواطنين يرفعون شعارات مضادة لقرار “فرض جواز التلقيح” الذي أصدرته الحكومة.
و لم تقتصر ظاهرة رفض التلقيح في المغرب لسبب واحد بل تعددت القناعات ففي حين يرى البعض أن التلقيح من عدمه يدخل ضمن حرية نمط تدبير الجسد في علاقته بالدولة والسلطة العمومية فإن البعض الآخر يرى في ذلك تقييدا لحرية المواطنين بشكل كبير، حيث أصبح المواطنون مُجبرون على الادلاء بجواز التلقيح من أجل قضاء مصالحهم الادارية، والتنقل بين المدن، وهو ما أثار رفضا واسعا من طرف نسبة مهمة من الملقحين أيضا.
رفض التلقيح ظاهرة عالمية
أفاد تقرير حديث -نشره معهد إمبريال كوليدج لندن للابتكار الصحي العالمي- أن المخاوف بشأن الآثار الجانبية وما إذا كانت اللقاحات قد خضعت لاختبارات كافية وراء مقاومة اللقاح، نتج التقرير عن دراسة استقصائية دولية شملت 15 دولة -أستراليا، كندا، الدنمارك، فرنسا، ألمانيا، إسرائيل، إيطاليا، اليابان، النرويج، سنغافورة، كوريا الجنوبية، إسبانيا، السويد، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة- وأُجريت بين مارس وماي من هذا العام، حيث أفاد التقرير أن أسباب مقاومة اللقاح شيوعًا تختلف لدى رافضي اللقاح بين عدم الثقة باللقاح، والذي قد يرجع إلى كونه مجانيًّا، والقلق من التأثير بعيد المدى له، وكذلك الشك في أهمية اللقاح من الأساس.
مستشهدين بقِصر المدة التي صُنعت فيها اللقاحات حيث أنه في أقل من عام صُنعت خمسة لقاحات حول العالم، على الرغم من أن تصنيع اللقاحات يستغرق في المعتاد عدة سنوات، مما تسبب في حالة من عدم الثقة والقلق
لكن السبب وراء سرعة إنتاج اللقاحات هو التقنيات الحديثة، والتمويل الضخم من كبريات الشركات ومراكز البحوث، وكذلك إقبال الجامعات العالمية على عمليات الابتكار والإنتاج.
عوامل نفسية قد تكون وراء الرفض
يرجح بعض المختصين الخوف من اللقاحات إلى غريزة البقاء الأساسية، إذ تمثل اللقاحات للبعض أمرًا مجهولًا ومُهددًا، حيث أن الشعور بالخوف يعمل على إلغاء التفكير المنطقي والعقلية النقدية، ومعظم الناس تحصل على معلوماتها بشكل سريع وغير عميق، دون البحث عن مصادر أخرى لتأكيد صحة المعلومات ».
تتدخل بعض الانحيازات الفكرية في الخوف من اللقاحات ومقاومتها، و التي تتضمن الانحياز إلى المعلومة الأولى، مثل الشائعات التي ظهرت في بداية انتشار فيروس كورونا المستجد حول أن هذا الفيروس هو مؤامرة عالمية، وفيروس مُصنع في المختبر، يحتفظ العقل الباطن بهذه المعلومة ويظل منحازًا إليها، ويبحث عما يؤكدها باستمرار، وهو ما يُعرف بـ »الانحياز التأكيدي ».
لهذا يجب التوعية بوجود مثل هذه الانحيازات الفكرية للتغلب عليها، وتشجع على التفكير بشكل منطقي محرر من كل الأفكار المغلوطة التي تسيطر على العقل الباطني لبعض الأشخاص و تجعلهم رافضين لمراجعة أفكارهم المسبقة
الإعلام ووباء المعلومات
رفض اللقاحات ومقاومتها أو التردد في أخذها أو التخوف منها هي بعض المظاهر السلبية الناتجة عما يسمى بالوباء المعلوماتي الذي واكب ظهور جائحة كوفيد-19،
تقول منى ياسين، المسؤول الإعلامية بمنظمة الصحة العالمية في مصر: « يتمثل الوباء المعلوماتي في تدفق سيل من المعلومات بعضها مغلوط وبعضها مضلل، وأغلبها يندرج في إطار الشائعات، مما يتسبب في إغراق المتلقي بالغث والسمين حول الجائحة وكل ما يتعلق بها، سواء الأسباب أو طرق العدوى أو المنشأ أو التدابير الوقائية أو اللقاح ».
وتعتقد « ياسين » أن الوجود النشط وغير المنضبط لوسائل التواصل الاجتماعي وسهولة التعامل معها بلا رقيب أدى إلى تفاقم هذه الظاهرة، وشجَّع غير المختصين ومدعي العلم على الإدلاء بدلوهم في قضايا علمية هم غير ملمِّين بها، وهذا ما أكدته دراسة بريطانية حديثة نشرها باحثون من جامعة أكسفورد وجامعة ساوثهامبتون، أفادت بأن « أولئك الذين يحصلون على معلوماتهم من وسائل التواصل الاجتماعي غير المنظمة نسبيًّا مثل موقع يوتيوب، هم أقل استعدادًا لتلقي اللقاح ».
يؤدي الإعلام دورًا حيويًّا في تشكيل الرأي العام وتوجيهه، وترى « ياسين » أن الإعلام قد يشارك في إضفاء مشروعية على بعض المعلومات المغلوطة والمضللة من خلال التقاطها وإعادة طرحها ومناقشتها في البرامج الحوارية أو المواد الصحفية، فيضعها المتلقي في خانة الحقائق والقضايا الجادة.
وتضيف « ياسين » أن منظمة الصحة العالمية بادرت، منذ وقت مبكر، بالتحذير من هذه الظاهرة، وعقدت أكثر من مؤتمر عالمي شارك فيه مختصون من أنحاء العالم، وقدموا توصيات نُجملها في أهمية البحث والتحري والتدقيق واستقاء المعلومات من مصادرها الموثوقة، وإيلاء الجهات والسلطات الرسمية الثقة الكافية، والنظر بعين مدققة فيما يجري تداوله خاصةً عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وعدم التورط في نشر معلومات مجهولة المصدر.
خصوصية الجسد أم حماية المجتمع ؟
إذا كان خصوم التلقيح الإلزامي متخوفون لسبب أو لآخر بأخد جرعات التلقيح و يدافعون عن حق الفرد في إدارة وضبط قواه الجسدية التي تدخل في نطاق خصوصيته الحميمة، فإن السياسات الصحية العمومية تتبنى التصور الثاني الذي يجعل من أولى أوليات الدول حماية الجسم المجتمعي، الفرق هنا هو بين منطق الوقوف ضد الإكراه التلقيحي الذي من الصعب الدفاع عنه من منظور ليبرالي محض، ومنطق الحرية التلقيحية التي لا يمكن أن تدرك إلا من حيث التجاوب الإيجابي مع السياسات العمومية الهادفة إلى توفير شروط ممارسة الحرية الفعلية بالتغلب على التهديد الفيروسي الذي فرض إغلاق الدول وتقييد حقوق وحريات الأفراد و أثر سليبا على الاقتصاديات المحلية و الدولية.
ما يتعين التنبيه إليه هنا أن الجسد وإن كان في جانب منه مكمن الخصوصية والذاتية الفردية، فهو أيضاً في الوقت نفسه داخل في الحركية الاجتماعية العامة. فلا سبيل إذن للاحتماء بحرمة الجسد وخصوصيته من أجل الوقوف ضد السياسات الصحية العمومية، ولو كانت حقوق الكرامة الجسدية في صلب المطالب الحقوقية في عصرنا الحديث
قم بكتابة اول تعليق