موندبريس
حاور الكاتب الأستاذ عبد الجليل العميري
زمن كورونا، زمن الحجر الصحي، زمن الجائحة المعولمة. …تسميات كثيرة أطلقت على هذه الحالة الطارئة المتسلطة على رقاب ملايير سكان العالم. صدمة زعزعت الكثير من اليقينيات وخلخلت أولويات الحياة. أصبح الطعام والصحة في صدارة الأولويات،مع أهمية الأمن حيث استرجعت الدولة ادوارا فقدتها سابقا قبل زمن كورونا،رغم أنها ظلت تتأرجح بين التدبير الجدي للأزمة والتدبير التسلطي لها . وتم رد الاعتبار للعلم وتصدر طلائع مواجهة الجائحة، وتقهقرت بعض الفقاعات، التي كانت تستنزف خيرات الشعوب، إلى الظل. تأكد دور العامل والصانع والتاجر والأستاذ. واكتشف معظم الناس أن للإبداع مكانته في زمن كوفيد 19، اعيد الإعتبار للقراءة وسمعنا عن إرتفاع نسبة رواج الكتب و نسبة استهلاك الأنترنيت، وحاجة مؤسسة عالمية مثل أمازون لآلاف العمال الجدد (100 ألف )لتقديم خدماتها وضمنها الكتاب. رغم الهزات التي عرفها الاقتصاد والمجتمع تأكد للجميع أهمية المعرفة، وان مجتمعا بدون معرفة وإبداع ماله الفشل في تجاوز ازماته، و ان للبشرية أن تعيد الاعتبار للتعليم والصحة لضمان استمرار وجودها.
وفي ظل هذه الظروف الصعبة و الاستثنائية ماذا يفعل المبدع؟ وكيف يرى العالم الجديد؟
ضيفنا اليوم هو المبدع الشاعر والمترجم الأستاذ نور الدين ضرار الذي سيحدثنا عن أجواء القراءة والكتابة في زمن كورونا.
* الأستاذ ضرار ما أهمية القراءة في زمن الحجر الصحي؟
– بداية، ما من داع للتنصيص على أهمية القراءة في كل الأزمنة، على الأقل بالنسبة للكتاب والقراء والمبدعين، وكل من تدخل القراءة في مجال اشتغالاتهم الذاتية أو انشغالاتهم الحياتية كشغف يومي أو طقس اعتيادي. هذا دون التقليل من أهميتها الظرفية كما تمليها حاجة بعض الناس في أحوالهم الخاصة أو الاستثنائية.
ومع ظرفية الحجر الصحّي، تأكدت حاجتنا أكثر لفعل القراءة أو بدائلها من الممارسات الإبداعية والفنية، ليس فقط كآليات لتوسيع المدارك أو حتى كتسلية للتزجية أو تصريف الوقت الفائض، بل أكثر من ذلك كضرورة علاجية أو بالأحرى كوصفة سحرية من أجل التأقلم مع إكراهات الحجر والتخفيف من آثاره النفسية المدمرة، وامتلاك القدرة على مواجهة المعاناة الطارئة بفعل محدودية المكان وفداحة الفراغ وتفاقم الرتابة وتشنج العلاقة بالذات والآخرين من “المخالطين”، وما ينتج عن كل ذلك من مشاعر الضيق والتذمر والإحباط والاكتئاب.
لقد تأكد للعالم بأسره بما لا يَدَعُ مجالا للشك أن فئة القراء والكتاب والفنانين في ظل هذه الإشراطات الضاغطة شكلوا الزمرة الناجية على الخصوص من الإصابة بأعراض الجائحة من جهة، وأعراض الاختلالات النفسية الكاسحة من جهة ثانية على حد سواء. وبهذا سيكونون من القلة المستغنية لا محالة عن خدمات المصحات النفسانية ما بعد زمن الحجر الصحي..
إنَّ تَدنّي مستوى المقروئية في المجتمعات المتخلفة ثقافيا هو الانعكاس الحتمي لفشل المنظومة التعليمية والتربوية كما عراها واقع كورونا، قبل أن يعري هشاشة منظوماتها الطبية والصحية، بما فيها دول محور القوى العظمى نفسها. نستثني من ذلك نسبيا الصين التي استطاعت إعلان نهاية العمل بقانون الحجر الصحي في ظرف قياسي اعتمادا على الوعي التربوي والحضاري لمواطنيها وحسهم المسؤول في الانخراط الجماعي للانتصار في حرب كورونا المخاتلة، إلى جانب الدول الاسكندنافية التي اكتفت من بداية ظهور الوباء بخيار التباعد الاجتماعي، دون أن تضطر لفرض الحجر أصلا على شعوبها مستثمرة في ذلك مكاسب أنظمتها التعليمية الأرقى في العالم.
صحيح أننا ندرك أهمية القراءة في زمن كورونا كممارسة ذاتية اختيارية، لكن علينا بعدها أن ندرك أهميتها في كل الأزمنة كمشروع مجتمعي من شأنه أن يساهم في بناء الإنسان ويخفف عنا كلفة كل جائحة.. وأكثرها كلفة جائحة الجهل..
* الاستاذ الكريم ما هي أهم قراءاتك في ظل الحجر الصحي؟
– أنا متآلف مع عزلتي بالقراءة والكتابة في مثل هذه الظرفيات حتى قبل زمن كورونا. ولا أذيعك سرا إذا قلت أن أغلب مقروءاتي خلال فصلي الربيع والصيف ليست بالضرورة اختيارية، بحكم طبيعة تعاقداتي التي تفرض علي إيلاء الأهمية أساسا في هذه الفترة لقراءة مشاريع مخطوطة لمراجعتها وتهييئها للطبع أو أعمال للترجمة بتكليف من دور نشر أو مؤسسات ثقافية، تأهبا للموسم الثقافي الموالي. هذا فضلا عن أعمال مقترحة من قبل أصدقاء أتشرف بقراءتها والمساعدة على إصدارها في حدود المتاح من الوقت والإمكانات، بمقتضى جسورنا القائمة على الشغف المشترك والتقدير المتبادل، وإن كان العامل الحاسم في اختيارها والتعهد بها نهاية المطاف هي صداقاتي النصية أكثر من صداقاتي الشخصية.
* ما أحوال الكتابة والإبداع والنشر لديكم في زمن الحجر الصحي؟
– بصرف النظر عن إكراهات هذه الظرفية الوبائية، أنا أقرأ وأكتب باستمرار وبوتيرة منتظمة على مدار الأيام والفصول.. فالقراءة والكتابة بالنسبة لي حالة ملزمة في حلي وترحالي كأسلوب تفكير وشرط كينونة. هي مناط توازني في وجودي المختل، ومسرة حياتي في عالمي البئيس، وواحتي الهادئة وسط ضجيج الآخرين وصخبهم حتى في زحمة المقاهي وزعيق الأرصفة..
والفارق في ظل الحجر الصحي بالنسبة لي يبقى على علاته إيجابيا، بما يسمح به من فائض الوقت أكثر من المعتاد، وما يتيحه من فرصة الرفع من وتيرة الاشتغال، والاستئناس بالفضاءات المغلقة، والاقتراب أكثر من حميمية الأشياء وقسمات الوجوه الأليفة.. وفي غضون ذلك، تتيح هذه الظرفية الطارئة تفقد الأدراج والرفوف لإعادة ترتيب حزمة أوراق مبعثرة أو تقويم مسودات مهملة أو التفكير في إطلاق مشاريع عالقة أو مؤجلة..
ومن كل ذلك، أفلحت في الخروج بحصيلة عناوين منها ما تَمَّ نشره، وأخص بالذكر ترجمتي مؤخرا كتاب “أجساد” للكاتب التشكيلي حميد الذويب المقيم ببروكسيل، وهو عمل يجمع بين اللوحة والشذرة في طباعة أنيقة عن “منشورات مرسم”.. هذا إلى جانب عناوين أخرى هي في المرحلة الأخيرة من المراجعة والتنقيح على أمل نشرها في المدى المنظور، ومنها: ديوان شعر بعنوان “استيهامات العاشق الأوحد”، وكتاب نقدي حول تجربة الشاعر العراقي سعدي يوسف…
* ما رؤيتكم للعالم في ظل زمن كورونا وما بعده؟
– كورونا ليست مجرد وباء بمحدودية فعله في الرقعة السكانية والتركيبة الصحية على غرار الأوبئة السابقة، لكون تأثيراته تمتد للتحولات العميقة في المعطيات السياسية والاقتصادية، وحتى الجغرافية، كما في موازين الهيمنة وتجاذبات القوى الدولية..
لقد فرضت ظرفيتها الطارئة دون مقدمات، ككارثة طاحنة بكل خساراتها الفادحة.. إنها أول حرب فاصلة في تاريخ عالم الألفية الثالثة قياسا بحربيه الأولى والثانية في ألفيته الثانية.. ليست أول أعطابه، ولن تكون آخرها.. وحاله بعدها لن يكون حتما كحاله قبلها..
في هذه الأجواء المشحونة، من الطبيعي أن تكون رؤية الشاعر مشوشة بفعل خيبات عالم يقف الآن على مشارف نهايته الوشيكة لاحتدام نزوعاته التدميرية.. نهاية النهايات على أرض طالما شبهتها بفقاعة عالقة في هوائنا الموبوء.. وطالما الواقع قائم بهذه الصورة القاتمة، ستبقى رؤية الشاعر غير مهادنة ولا مطمئنة البتة لانحدارات العالم في هاويته السحيقة..
قم بكتابة اول تعليق