24/مبدع في زمن كورونا: محمد رزيق  : القراءة قوة وطاقة للروح

موندبريس

حاور الكاتب الأستاذ عبد الجليل العميري

زمن كورونا، زمن الحجر الصحي، زمن الجائحة المعولمة. …تسميات كثيرة أطلقت على هذه الحالة الطارئة المتسلطة على رقاب ملايير سكان العالم. صدمة زعزعت الكثير من اليقينيات وخلخلت أولويات الحياة. أصبح الطعام والصحة في صدارة الأولويات،مع أهمية الأمن حيث استرجعت الدولة ادوارا فقدتها سابقا قبل زمن كورونا،رغم أنها ظلت تتأرجح بين التدبير الجدي للأزمة والتدبير التسلطي لها . وتم رد الاعتبار للعلم وتصدر طلائع مواجهة الجائحة، وتقهقرت بعض الفقاعات، التي كانت تستنزف خيرات الشعوب، إلى الظل. تأكد دور العامل والصانع والتاجر والأستاذ. واكتشف معظم الناس أن للإبداع مكانته في زمن كوفيد 19، اعيد الإعتبار للقراءة وسمعنا عن إرتفاع نسبة رواج الكتب و نسبة استهلاك الأنترنيت، وحاجة مؤسسة عالمية مثل أمازون لآلاف العمال الجدد (100 ألف )لتقديم خدماتها وضمنها الكتاب. رغم الهزات التي عرفها الاقتصاد والمجتمع تأكد للجميع أهمية المعرفة، وان مجتمعا بدون معرفة وإبداع ماله الفشل في تجاوز ازماته، و ان  للبشرية أن تعيد الاعتبار للتعليم والصحة لضمان استمرار وجودها.
وفي ظل هذه الظروف الصعبة و الاستثنائية ماذا تفعل المبدعة؟ وكيف ترى العالم الجديد؟
ضيفنا اليوم هي المبدع والباحث في الفكر الفلسفي الأستاذ محمد رزيق الذي سيحدثنا عن أجواء القراءة والكتابة في زمن كورونا.
– الأستاذ رزيق ما أهمية القراءة عندكم في زمن الحجر المنزلي؟وماذا تقرؤون في هذه الظروف؟

* لم يكن الحجر المنزلي ليعطي للقراءة أهميةً، ولا كانت القراءة تستجدي الحجر الصحي أو غيره لتعبر عن ذاتها فالقراءة قوت وطاقة للروح ومصدر إثراء للفكر، ويرحم الله من تخلى عن العمل وتدبير الشأن السياسي واختلى إلى كتبه يساجلها ويناقشها؛ بدل المناقرة مع الأحياء يردون عليه ويقلبون عليه المواجع وإذا كان التاجر والصانع او الانسان عامة يعتز بمنتجه، فإن من يحمل او تسكنه القراءة يكون مهوساً بكتبه لكن يمكن أن نؤكد أن الحجر الصحي فسح لي فرصة أوسع لتناول قراءات ومطالعات، كنت أرجئها إلى وقت لاحق، لا ذلك الوقت حلّ ولا أنا أرغمت نفسي والتزمت وقتاً زائداً لها. هكذا وجدت نوعاً من التصالح مع القراءة المؤجلة خلال فترة الحجر الصحي، إذ ازدادت لدي نسبة العكوف على بعض الكتب أو المقالات التي كنت شرعت في قراءتها أو كتابتها . أُجمل القول عن أهمية القراءة وفعلها وما يلحق بها من كتابة وتفكير في زمن الحجر المنزلي؛ أن مجموعة من الناس، وهم الأغلبية الساحقة ممن اختارها، قد يكون فعل ذلك من أجل أن  يتسلى بها لتمضية وقت الانتظار وتزجيته حتى يرفع الحجر. لكن الذي  يعشق القراءة والكتاب فهو لا يتحين فرصة الحجر والتي لا تحدث إلا مرة في عمره أو قد لا تحدث أصلاً.
كانت لي قراءات متنوعة من الكتب التي رجعت اليها؛ مثل كتاب الحيوان ورسائل الجاحظ، المقابسات لأبي حيّان التوحيدي.. كما كنت أستريح بكتاب طوْق الحمامة لابن حزم والحور والنور لعبد الرحمن بدوي، بالاضافة الى روايات للجزائري واسيني الأعرج أصابع لوليتا، طوْق الياسمين، واتابع معه حالياً ليليات رمادة التي ينشرها حلقات تباعاً  كل مساء الخميس والأحد. بالإضافة إلى مجموعة من النصوص الشعرية للمرحومين محمود درويش ونزار قباني.
– ما أحوال الكتابة والإبداع والنشر في ظل الحجر؟
تميزت الكتابة لدي خلال مدة الحجر المنزلي بكونها لم ترق إلى المطلوب الذي تعج به النفس وما يختلج بالخاطر؛ ومع ذلك أرسلت لبعض المنابر الفكرية مقالات قصد نشرها، ويتعلق الامر بمقالات نقدية تركزت على الاعمال الأدبية للمفكر المغربي عبد الإله بلقزيز. الأول عن سرديته الاخيرة: الماضون الى الماضي (2020) ، وقد عنونت مقالتي عنها بالسفر الى ارض المقامة، الثاني عن رواية يوميات موت حي (2017)  وقد عنونت المقالة بموسيقى الألوان في يوميات موت حي، ومقالة ثالثة تحت عنوان “أنا لست لي” قراءة في حالة حصار شهادات عن الحرب الإسرائيلية على لبنان 2006 وهي عبارة عن مذكرات الحصار بلبنان.  زِد على ذلك أنني انتهجت وصديقة لي ان نتبادل رسائل خلال أيام الحجر الصحي وضعنا لها عنواناً “ليالي الشوق المحجور” وقد بلغنا فيها حتى الآن قرابة المائة  صفحة  قد ينتج عنها عمل إبداعي . وقد عملت على توضيب مجموعة مقالات قصد إخراجها كتابا من قرابة  مائتي صفحة سيكون عنوانها الأولي: هكذا قرأت أدبيات بلقزيز. وكنت وافر الحظ أن صدرت لي ثلاث مقالات خلال هذا الحجر الصحي: عبد الله إبراهيم المفكر والسياسي صدر في العدد 19/20 من مجلة النهضة، مقامات وانكسارات دراسة نقدية صدرت بمجلة ذوات، وأخيراً بين الفلسفة والسينما مقالة صدرت عن مجلة كتابات معاصرة العدد 113. ناهيك عن بعض النصوص والخواطر التي انقدفت أمامي حول هذه الجائحة التي أربكت الجميع الفقير كما الغني، المفكر كما العامي، والسياسي كما الاقتصادي…كرونا هاته التي بقيت بين التخوم بين التصديق والتكذيب، بين الحقيقة والخيال، بين اليقين والشك؛ أهي أمر طبيعي أم مصنّع لغرض ما. قد نعرف ذات يوم أو يعرفها أخلافنا لاحقاً. كتبت نصاً عن الوباء ومما قلت أنقل هذه الأسطر:
سُمع صرير المزلاج
ومصارع الباب تتحدث
عن تواري القوم خلف الأسوار
سمعتهم يتحدثون عن صاحب تاج:
مفزع ولا يختار من الآنام.
منه، لزموا البيوت وتفرق الأحباب.
حل الوباء
فتوقف الهمس والكلام
وعكف الخلق على اللطيف
على الترانيم والتهاليل.
وأغلقت القلعة على من فيها
ترقب رفع الحصار ليعود الكلام
أو الانصراف إلى حاضر
يحن للذكريات
ولمن عبر المكان.
– ما رؤيتكم سي محمد  للعالم في ظل زمن كرونا وما بعده؟
* لا أدعي قراءة الفنجان أو ضرب الأقداح، أو أني أتكئ على دراسات استشراف المستقبل؛ ولكن يمكنني أن أسجل بعض الملاحظات باعتباري مواطناً يهمه أمر بلده وشعبه، كما تهمني كل السياسات التي تنهجها الدولة من جهة أو تلك التي تنهجها كل التيارات السياسية يمينها ويسارها. حصل المغرب على استقلاله منذ خمسينيات القرن الماضي وإلى اليوم لا نتحدث إلا عن إصلاح على إصلاح؛ علماً أننا لم نضع خطة أو تصميماً اعتمدناه ثم حصل لنا خلل فيه فقمنا بإصلاحه. هذا وأننا في كل حالة يتم طرح الإصلاح أو التجديد إلا ونسمع عن إسناد مهمة الدراسة لوكالة أو مكتب دراسات أجنبي، في الأغلب فرنسي. وهذا مؤشر قوي يطعن في استقلال البلاد من التبعية لمستعمر الأمس. ذلك المستعمر الذي لم يقطع البحر إلى أرضنا إلا لاستغلال واستنزاف خيراتنا الطبيعية والبشرية؛ وما يقال في هذا الباب لا تكفيه المجلدات. هذه واحدة والتي تجعلني أتشاءم من عدم وجود نية النهوض بالبلاد إلى مصاف الدول التي تعتز بهويتها وتقيم نهضتها وتقدمها على جذورها وأصولها. أذكر هنا الجذور والأصول لا لأعود إلى ماضٍ عفا عنه الزمان ولكن ما يمكن الاعتماد عليه واستشراف المستقبل. ولعل جائحة كرونا التي لم يسلم منها المغرب، قد أعطتنا إشارة قوية بأن المغرب يمكن أن تكون له كلمة بين دول العالم. يستطيع أن ينافس بطاقاته البشرية وأدمغته التي يصرف عنها الأموال الطائلة ولا يوفر لها المواقع والفرص للإبداع والابتكار ناهيك عن التنوع الطبيعي  فوق الأرض وتحتها مما حباه الله به. ولست هنا لأذكر بأسماء  العلماء الذين تحدث الوكالات الدولية في ارتباطهم بالجائحة، أو أذكر الابتكارات المرتبطة بهذا الوباء. أمر ثانٍ كشف عنه كرونا هو هشاشة البنية الصحية والاجتماعية وأبان كذلك الخلل في عدم الرهان على التعليم والصحة والأمن وإلى كل هؤلاء أشد على أيديهم.
هذا كيف أرى الحالة القائمة اليوم وما قبله؛ لكن ماذا عن الغد؟ أمر أكاد أجزم فيه وهو ما لم يتم التصالح بين كل قوى البلاد (اليمين واليسار) ويتم توجيه الصراع والاقتتال الأيديولوجي والعقدي، كما يظهر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي،  إذ كل طرف يُنصِّب نفسه أنه الصائب ويخطئ الآخر؛ وفي هذا كل الأطراف تجانب الصواب. نتصالح مع ذواتنا وكل منا يعذر الآخر وإن اختلفت توجهاتنا ونضع يداً في يد من أجل الوطن ومن يأخذ عنا المشعل في المستقبل.
اعتباراً أن المغرب خاضع لغيره من الدول القوية، فإنّ ما بعد الكرونا لن يكون كما قبل الجائحة. أرى أن التغول الغربي والهيمنة الأميركية آيلة للزوال أو في أفق قريب ستغيب القطبية الواحدة وستدخل الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا على الخط. هذه أولى، الثانية أن المنظمات الدولية التي نتشدق بتقاريرها وتوجيهاتها مآلها إلى زوال لتعوض بهياكل أخرى إقليمية. ومما يروج في بعض الكواليس فإن مفهوم الدولة بشكله التقليدي أو الحديث انتهى أمره وبالقوة وسيعوض بالدولة الرقمية التي تعد في حاجة إلى قوة السلاح الثقيل، بل يكفيها التحكم في المعلومة لتتحكم في الأرض والعباد.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد