12/مبدع في زمن كورونا: الأستاذ محمد بوجنال  : القراءة تفكيك للمقروء .

موندبريس

حاور الكاتب الأستاذ عبد الجليل العميري

زمن كورونا، زمن الحجر الصحي، زمن الجائحة المعولمة. …تسميات كثيرة أطلقت على هذه الحالة الطارئة المتسلطة على رقاب ملايير سكان العالم. صدمة زعزعت الكثير من اليقينيات وخلخلت أولويات الحياة. أصبح الطعام والصحة في صدارة الأولويات،مع أهمية الأمن حيث استرجعت الدولة ادوارا فقدتها سابقا قبل زمن كورونا،رغم أنها ظلت تتأرجح بين التدبير الجدي للأزمة والتدبير التسلطي لها . وتم رد الاعتبار للعلم وتصدر طلائع مواجهة الجائحة، وتقهقرت بعض الفقاعات، التي كانت تستنزف خيرات الشعوب، إلى الظل. تأكد دور العامل والصانع والتاجر والأستاذ. واكتشف معظم الناس أن للإبداع مكانته في زمن كوفيد 19، اعيد الإعتبار للقراءة وسمعنا عن إرتفاع نسبة رواج الكتب و نسبة استهلاك الأنترنيت، وحاجة مؤسسة عالمية مثل أمازون لآلاف العمال الجدد (100 ألف )لتقديم خدماتها وضمنها الكتاب. رغم الهزات التي عرفها الاقتصاد والمجتمع تأكد للجميع أهمية المعرفة، وان مجتمعا بدون معرفة وإبداع ماله الفشل في تجاوز ازماته، و ان  للبشرية أن تعيد الاعتبار للتعليم والصحة لضمان استمرار وجودها.
وفي ظل هذه الظروف الصعبة و الاستثنائية ماذا يفعل المبدع؟ وكيف يرى العالم الجديد؟
ضيفنا اليوم هو المفكر والباحث في الفكر السياسي الأستاذ محمد بوجنال ، الذي سيحدثنا عن أجواء القراءة والكتابة في زمن كورونا.

نشكر صديقنا الروائي والقاص  الأستاذ عبد الجليل لعميري  على أنشطته الفكرية المكثفة التي منها إجراؤه هذا الحوار معنا والذي مَرْكَزَهُ حول ثلاث تساؤلات:

1-قراءاتك في ظل الحجرالصحي؟

2-ما أحوال الكتابة والإبداع والنشر لديكم في ظل هذا الحجر؟

3-ما رؤيتكم للعالم في ظل زمن كورونا وما بعده؟

السؤال1: ما قراءاتك في ظل الحجر الصحي؟

الجواب1 : القراءة عملية عقلية يختلف الهدف من ممارستها: يمكن أن تكون للشعور بالهدوء، ويمكن أن تكون وسيلة للترفيه، ويمكن أن تكون ممارسة العنف على النص بتفكيك رموزه وصولا إلى المعنى؛وقد مارسنا ونمارس القراءة زمن الحجر الصحي-وكذا ما قبله- بهذا المعنى الأخير حيث عكفنا على قراءة مؤلفين :

أ-مؤلَف :الجمهور لنغري وهاردت (مترجم) حيث يطرح المؤلفان “الجمهور” باعتباره القوى ذات القدرة الفعلية المستقبلية لبناء نظام عالمي جديد. فمستقبل العالم لا يتحدد في ما يسمى ب”الطبقة العمالية” لكونها من جهة قليلة العدد-لا تشير إلا للعمال الصناعيين-، ولكونها ثانية خضعت لعملية التدجين والتسليع؛ لكن لا يمكن نفيها.ولا يتحدد المستقبل ذاك في ما يسمى ب”الشعب” لكونه من جهة يتميز بالتجانس، ومن جهة ثانية يتحدد كوحدة تنفي التعدد والاختلاف؛ ولكن هو بدوره لا يمكن نفيه. أما القوى الكفيلة وذات القدرة، في نظرهما، على التأسيس لنظام عالمي جديد فهو “الجمهور” الذي تعتبر “الطبقة العاملة” و”الشعب” جزء لا يتجزأ منه.ف”الجمهور” كما عرٌفاه هو مجموع الفئات المأجورة وغير المأجورة باعتبارها جميعها قوى منتجة إنتاجا مشتركا من ناحية،، وجميعها،من ناحية أخرى، تتقاطع حول فكرة مقاومة الرأسمال.

ب-مؤلَف : مليون ثورة هادئة(باللغة الفرنسية)  لمؤلِفه بينيديكت مانييه الصادر عام 2018.في هذا العمل يطرح المؤلِف أشكالا عملية وناجحة من الديمقراطية المباشرة مصدرها قوى ترفض النظام الرأسمالي منتشرة في جميع أقطار العالم حيث تمكنوا من تأسيس سكنيات جماعية، وزرع الخضر في كل الأمكنة الفارغة بما في ذلك سطوح وبالكونات مساكنهم،وإنتاج السلع المطلوبة جماعيا، وإبداع طرق غير السوق الرأسمالي لتبادل السلع في مختلف مناطق العالم بدون اعتماد عملة النقد، وحيث اعتماد التجربة كمصدر للمعرفة ،والاستقلال الذاتي للمدارس،إضافة إلى رفض التمييز بين الذكور والإناث؛ تقول إحدى نساء هذه الجماعات:”أشتغل طوال الأسبوع كمنظفة للسكنيات، ويوم السبت والأحد مديرة بنك”.فما هي هذه القوى في نظر بينيديكت مانييه؟ يحددها صاحبنا في النساء والرجال الذين رفضوا العمل العبودي الرأسمالي.فمن الولايات المتحدة إلى اليابان إلى أروبا إلى الهند إلى قرى في بوركينا فاصو بأفريقيا تميزت هذه القوى بابتكار كل ما يساعد على التأسيس لنظام عالمي جديد يتميز بالشراكة في صنع واتخاذ القرارات وتحمل مسئولية التنفيذ ونهج نظام التضامن والعلاقات الراقية. وفي كل ذلك تعتمد تعتمد هذه الجماعات على قدراتها وكفاءتها الذاتية.

إنها القراءة التي تهدف خلال هذا الحجر الصحي-وقبله- ممارسة العنف على هذه النصوص واستنطاقها لاستخراج الدلالة والمعنى الذي لا يمكن فصله عن ظواهر وقضايا الشعوب والمجتمعات كما هو حال اليوم المتمثل في جائحات:الكورونا والاقتصاد والسياسة والثقافة.

السؤال2: ما أحوال الكتابة والإبداع والنشر لديكم في ظل هذا الحجر؟

الجواب2: عملنا على نشر عدد من المقالات،خلال الحجر الصحي،، متمحورة كلها حول جائحات الكورونا والاقتصاد والسياسة والثقافة في عدد من المواقع الالكترونية باللغتين العربية والفرنسية.

السؤال3: ما رؤيتكم للعالم في ظل زمن كورونا وما بعده؟

الجواب3: العالم زمن كورونا-وما قبلها-هو زمن اعتداء الوحش الرأسمالي على الطبيعة والإنسان معتبرا إياهما ملكيته الخاصة؛ وفي هذا اعتمد واحتكر القوتين العسكرية والمعرفية؛ فكان الحاصل الفعلي كالتالي:أوله شعوب تعاني الفقر والجهل والدوس على الحقوق؛وثانيه “طبيعة يُمارَس عليها التدمير والنهب باعتبارهما،ظلما، ملكيته الخاصة. بهذا المعنى فالتعليم هو اعتداء على الشعوب، والاقتصاد هو السرقة المشرعنة لفائض قيمة إنتاج قوى الإنتاج في معناها الواسع لا الضيق، والسياسة هي ممارسة الوصاية على إرادة الشعوب، والثقافة هي التخدير والتشكيل العبودي لشخصية الشعوب. وعليه، ما الذي بقي للشعوب زمن كورونا سوى تعليم واقتصاد وسياسة وثقافة الوحش الرأسمالي معللا حضور ذلك بكونه حقه المشروع بيولوجيا ودينيا، والنفي والقتل المجازي للشعوب واستغلال الطبيعة هو التنفيذ المشروع للإرادة الإلهية وحكمة العقل حماية للعالم من الأشرار.

وعليه، يُطرَح أمامنا السؤال: ما مصير العالم زمن كورونا وبعد انخفاض حدته(نتحفظ على مصطلح ما بعد كورونا). هنا نكون أمام ثلاث سناريوهات ممكنة ومختلفة باختلاف ميزان القوى:

أ-استمرار هيمنة الوحش الرأسمالي مع توظيف أسلوب الإصلاح وفق ما يقتضيه المنطق الداخلي  له كنظام معتمدا دبلوماسية المناوشات والمكر.

ب-أو مناقشته سطحيا وعاطفيا، بل وأحيانا تطفليا، من داخل بنيته كنظام، في الوقت الذي يقتضي المنطق مناقشته من خارج بنيته.

ج-وإما العمل على اقتلاع أسسه الفلسفية الذي هو اقتلاع لأسسه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي تقود حتما  لا للتفرج والتشفي وبناء الإنشاءات اللغوية،بل إلى بناء النظرية البديل التي نؤكد أنها الإفراز الجدلي لوحدة القوانين التي ليست سوى الواقع بلغة الرموز؛أو قل أن النظرية، بما أنها الوحدة الجدلية بين القوانين، وبما أن هذه القوانين سوى إعادة بناء الواقع بلغة الرموز، فإن النظرية بمعناها الإبداعي(الثوري) ليست ،وباللزوم المنطقي،سوى ذلك الواقع الذي يبقى مفتوحا على كل الإمكانات وفق قاعدة استحضار واحترام أدبيات والإشراك والاستماع المتبادل؛ وهي العملية التي تقتضي”النظام” الذي يجب أن يكون موضوع ونقاشات المجالس وهو الإغناء الدائم للنظرية. ومن هنا أهمية وضرورة النظرية إذ كلما غابت كلما كنا، وبالضرورة،شعوريا أو لاشعوريا،في أحضان نظرية الوحش الرأسمالي.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد