موند بريس : د.يونس صبار
باحث في القانون العام والعلوم السياسية
أستاذ زائر بكلية الحقوق.عين الشق/الدار البيضاء
الأنتروبولجيا هي دراسة الإنسان في أصوله التاريخية التي تمس جوانبه العضوية والاجتماعية والحضارية ,وتطور تلك الجوانب عبر الزمان والمكان ,وما تفرزه نشاطات الإنسان من أنماط وتراكيب ووظائف وعلاقات اجتماعية متباينة.
وحين يتحدد معنى الانثربولوجيا بالجوانب البيولوجية والحضارية والاجتماعية فان الاتجاه ينصب نحو تفاعل تلك الجوانب في نسق واحد,وليس مجرد إضافة معارف علمية ترتبط بتلك المستويات .وهذا ما يميز الانثروبولوجيا عن علوم الاجتماع والتاريخ والنفس والبيولوجيا والآداب والفنون ,ويتحدد مضمونها بما تضيفه من معطيات حول الإنسان عبر تطوره وارتقائه من الأشكال الأولية ,ودراسة أنماط سلوكه والتغيرات التي تطرأ على بيئته الاقتصادية والاجتماعية ,وحول تعاقب الحضارات ,لتستمد من ذلك المنظور التاريخي منطلقا لفهم الإنسان المعاصر ومشاكله السلوكية والحضارية والمجتمعية.
فعالم الانثروبولوجيا في دراسته للإنسان بالمعنى السا لف الذكر يحاول أن يكشف ويصنف النواحي الجسمية التي تميز الإنسان عن بقية المخلوقات التي تعاصره,وتلك التي انقرضت أشكالها .كما يتجه نحو تحديد الصفات التي تميز الأجناس البشرية وتفاعل تلك الأجناس مع البيئة ليكشف أوجه الشبه والاختلاف بين مختلف الحضارات ,فيتعدى اهتمام عالم الانثروبولوجيا نطاق الوصف للجوانب البيولوجية والحضارية والاجتماعية إلى محاولة استخلاص القوانين والأنساق التي تتحكم في تكوين المجتمعات والحضارات ونموها
إن هذا الفهم لموضوع الانثروبولوجيا يستند إلى معطيات محددة نجملها بمايلي꞉
−إن علم أصل الإنسان يشمل دراسة الإنسان بوصفه نسقا متميزا تتفاعل فيه الجوانب العضوية مع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والحضارية والبيئية
−يشكل الإنسان من خلال تفاعله مع البيئة ومع أخيه الإنسان تراثا حضاريا يشمل كل الجوانب المادية والفكرية والروحية ,والقيم الاجتماعية التي تحدد نظرة الإنسان إلى نفسه والى العالم الخارجي .لذا يعد مفهوم الحضارة من أهم المفاهيم في نطاق الانثروبولوجيا بشكل عام ,والانثروبولوجيا الحضارية بشكل خاص
−إن انتقال المجتمعات من مرحلة الى أخرى يتولد ضمن ظروف اقتصادية محددة.لذا فان دراسة انماط التغير الاجتماعي والعوامل المحددة للتشكل الطبقي ,وتقسيم العمل والقوى المحددة لعملية الإنتاج ذاتها ,تعد من الموضوعات الرئيسية والهامة في نطاق الانثروبولوجيا
وعلى أية حال فإنه يمكن القول بأن الانثروبولوجيا ليست العلم الوحيد الذي يدرس الإنسان فالعلوم الإنسانية المختلفة تشترك معها في دراسته كعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ وعلم التشريح والجغرافيا البشرية والسياسية وعلم الاقتصاد وعلم الأديان…ورغم هذا فان الانثروبولوجيا تنفرد بسمات منهجية في دراسة الإنسان تحدد ملامحها .وتميزها بالتالي عن كل هذه العلوم ومن أهم هذه الخصائص ما يلي꞉
−الانثروبولوجيا تدرس المجتمع ككل متكامل ولهذا تستخدم المنهج الكلي كمنهج علمي في دراستها
ومن خلال هذه الخاصية تختلف الانثروبولوجيا عن علم السياسة الذي يستقل بدراسة الإنسان كعضو في حكومة أو مواطن في دولة وعن علم الاقتصاد الذي يختص بدراسة الإنسان منتجا او مستهلكا أو موزعا في مجتمع ما.وعن علم النفس الذي يدرس الإنسان من حيث سلوكه المكون لشخصيته كعضو في مجتمع يؤثر فيه ويتأثر به .ولا تقتصر الانثروبولوجيا على دراسة الإنسان من حيث بعده الاجتماعي والثقافي فحسب وإنما تتناول الإنسان من حيث دراسة بعده الفيزيقي الذي يشمل خصائصه التشريحية وتطور تلك الخصائص على مر التاريخ الفيزيقي للإنسان
وليس معنى هذا ان الانثروبولوجيا تنفصل بدراستها عن العلوم الإنسانية الأخرى بل على العكس ترتبط بها ارتباطا عضويا وثيقا,بل ان الانثروبولوجي لايستطيع ان يصل إلى نتائجه وتحليلاته بدون معرفة خاصة بتلك العلوم الإنسانية .صحيح انه ليس بلازم ولا يمكن أن يكون الانتروبولوجي متخصصا فيها كلها وإنما لابد من الإلمام بها والوقوف على أحدت نتائجها وتطورها.كما يقول بذلك الدكتور مصطفى جفال
−نحن في حاجة لوصف مظاهر الحياة البشرية والحضارية وصفاً دقيقاً، وذلك عن طريق معايشة الباحث المجموعة أو الجماعة المدروسة، وتسجيل كلّ ما يقوم به أفرادها من سلوكات في تعاملهم، في الحياة اليوميّة ..
−في حاجة لتصنيف مظاهر الحياة البشرية والحضارية بعد دراستها دراسة واقعية، وذلك للوصول إلى أنماط إنسانية عامة، في سياق الترتيب التطوّري الحضاري العام للإنسان : (بدائي- زراعي- صناعي – معرفي− تكنولوجي)
− في حاجة كذلك لتحديد أصول التغيّر الذي يحدث للإنسان، وأسباب هذا التغيّر وعملياته بدقّة علمية .. وذلك بالرجوع إلى التراث الإنساني وربطه بالحاضر من خلال المقارنة، وإيجاد عناصر التغيير المختلفة .
إذن نحن في حاجة لدراسة الأنتروبولجيا.
قم بكتابة اول تعليق