موند بريس: جواد ذوالهمة
(تتمة)
قال : الخطب جلل وحديثك لا يمل؛ فعجل صديقي!
قلت : حسنا.؛ لكن هي رسالة أَوصِلها للخالق فليس غيرك أقدر منك على إيصالها.
قال : ما القضية؟ فكما ترى عدت لمحاورتك قبل الموعد.
قلت: القضية سيدي أنهم يسنون ظلما جديدا للعباد يحرم المغاربة حق التعبير عن رأيهم حول سلع جارت كلفتها؛ أو برنامج قزم وصغر ركائز المجتمع..
قال : صدقت إنه خطب جلل… لا أقول لك سُلمت الأمور لغير أهلها، فالقول محفوظ؛ ولا أقول لك دعهم للخالق فالحق ينتزع ولا يعطَ؛ وإنما أقول لك : إن المفسدين كانوا إخوان الشياطين، عمرهم طويل لكن عملهم لا يفلح…
قلت : كيف وهم الأعلون؟ (مكانا لا مكانة)
قال : ربك أقدر أن يجعل عاليها سافلها؛ فالزم الحق ولا تحد عنه…
قلت : في الأمر سجن وغرامات..
قال : وللضمير دور فوظفوه. أم إنه مات؟
قلت : حيرتني! شكوت لك صنيعهم، بحثا عن أمل..
قال : الأمل ليس قول بل عمل؛ إنه اختبار لكم!؟ ينظرون ما أنتم فاعلون؛ فإن سكتم؛ وسكنتم؛ وصلتم إلى التكبيل الذي قلته.
قلت : حين أوضحت؛ أراك أوغلت! فاخبرني فإنك تعلم حالهم، وبغيهم منذ سنين.
قال : الحديث قد طال لم يعد هناك بد من مقال…
قلت : في الأولى تَبُثُه أو في الثانية تنشره..؟ أو هو إعادة في المغربية؟
قال : أوليس الإعلام هزيل؟
قلت : بلى.
قال : فالموقع الأزرق بديل… ثم انصرف
2
قلت : عدتَ أخيرا. اشتقت لك!
قال : لي أم لمقالي؟
قلت : الحقيقة لكما أنت ومقالك..
قال : فأنصت دون مقاطعة…
قلت : (مازحا) ولو قاطعنا الحج ما قاطعناك.. أبشر.. وأخبر.
قال : لي في مزحك نصيحة؛ فذكرني بعد حين.
قلت : طبعا؛ المقال المقال ! فالحديث طال، ولست تاركك حتى أفهم المآل…
قال : في أرض العروبة تتشابه الحكايات؛ وتتشابك خيوط المصلحة العامة بالمصالح الفردية؛ أتدري ما السبب؟
قلت : ما المسؤول بأعلم من السائل…
قال : ما سألت لتجيب. أطبق فمك وافتح فهمك؛( أومأت وامتثلت) فتابع : مرت سنين كانت فيها العروبة فخر؛ يشد لها الرحال، فتغيرت الأحوال؛
قلت : اعذرني أشم في كلامك شمولية فأجز وأخبرني عن المغرب والمسؤولية..
قال : “إذا كنت في المغرب فلا تستغرب”..وهم لينصرف..
قلت : أ يخاف رمضان من قانون لم يعرض في البرلمان ؟
3
قال : ما ذلك أبغي. فاسمع : من رمضان شهر الغفران لكل إنسان:
لقد تم تخدير الشعب في زمنكم تخديرا مزدوجا؛ وتم تقسيمه إلى فئتين:
أما الأولى فتضم حناجرا صداحة، وبطونا مكتنزة؛ وجيوبا جشعة، يأكلون ويشربون ويغنون ويكسبون، الغاية الربح والغنى، والوسيلة تبررها قوانين يزداد فيها الغني غنى؛ ويمرغ وجه الفقير بؤسا وحرمانا، وجملتهم المشهورة “المغرب زين”.
أما الفئة الثانية فأقسام وأنماط؛
منها عازف عن الحياة، لا زاهدا فيها، وهذا لا يهمه أكان المغرب جميلا أم قبيحا؛ فلا تراه صاحيا حتى يفقد وعيه؛ ومنها إنسان “سكة قديمة” و”نية” أما هذا فيسير أعزكم الله ك”البهيمة” يأكل ويشرب؛ “العام زين” الخبزة بدرهم” شعاره “الله الوطن الملك” شعار يحفظه ولا يفهمه. ومنها “فاهم” وعندكم يقال : ما ف الهم غي لي كيفهم” وهذا صنف قليل، يعيش محارِبا ومحارَبا، وهو المقصود بالتكميم حتى لا يطبق سياسة التعميم؛ لكني أرى أنكم تتزايدون باستمرار؛ ولا أظن ساستكم قد غفلوا عم أدركتم، فما يزالون يختبرونكم ويقيسون ضغطكم فإن هُنتُم أُهِنتُم.. ولا أر السجن عيبا بعد ذهاب الكرامة…
ثم تابع : ولي لكم نصيحة..
قلت : كلامك ثقيل… كأنه سم زعاف أو “فضيحة”..
قال : أ فحمله عنك وأمضي..؟
قلت : ثقله عليهم لا علي. فهات النصيحة…
قال : نَمْ…. قد غادرك الليل أضحت صبيحة..
(يتبع)
الكاتب : جواد ذو الهمة
(تتمة)
4
قلت : فما النصيحة سيدي؟
قال : إذا انتقدت فليكن نقدك بناء…
قلت : وكيف ذلك؟
قال : يجب أن يُترك النقد لأصحابه؛ لمن يعرفون الرسائل المشفرة، فالكثير ممن أرادوا الدعم، تجدهم ساندوا في الهدم.
وتابع : أ تدري النقد ما هو؟
قلت : لا أجهله طبعا، لكن فدني…
قال : المقاطعة الفعلية؛ أغلقوا صناديق خفض التقدير الذاتي! وافتحوا موسوعات وكتب ترقى بكم؛ وتدفعهم لإرضائكم. فالحقيقة مرة للأسف!
قلت : صدقت. لكن ما الحقيقة وكيف خبرت طعمها؟
قال : لو لم يكن لقنواتكم جمهور بلا ذوق، ما تمادى أصحابها في التفاهة والتسفيه…
قلت : فعلا. لكنهم يزدادون شراسة في التهديم..
قال : فالزموا القراءة وارفعوا مكانة التعليم…
قلت : تعليم…. إنه عدوهم…
قال : أوضح. فلعل نظرتك تفيدهم…
قلت : للحديث بقية…سأوضح لك ولهم..
5
قال : ما بال التعليم؟ ولم تغيرت سحنتك فجأة؟
قلت : أ تدري يا صديقي العزيز أن الأمة أصبحت تحارب الوعي؛ وتنصر الجهل والمجون؟
قال : علمت الأمر وزيادة.. (فتنهد وتابع) : لكن أخبرني لعل في كلامك إفادة..
قلت : في بلادنا صديقي لديك حق يكفله الدستور وتنفيذه يجعل الشوارع بحور،
في بلادنا يا صديقي منكرات وعجائب! القمع والظلم في كل جانب،
في بلادنا…
قال : (مقاطعا كلامي) ماذا عن الحرية، أ ليست شعار الديمقراطية؟
قلت : بلى. الحرية كلام ملحون لا يصدقه في بلادنا سوى مجنون، أما العاقل فعند حديثه فمنفي أو مسجون!
قال : كأني أشم في كلامك ملل؛ أ تعجزكم الموانع عن العمل؟
قلت : في بلادنا يا صديقي أمل مشحون بدوافع، لا ترهبه القرارات ولا الموانع…
قال : أراك استحضرت حس النضال…
قلت : نعم، وتسكنني قصة بطل الأبطال
قال : ومن يكون؟ دع الشمولية وجُد بتحديد…
قلت : بطلنا يا سيدي شهيد… وحين نلتقي..
قال : (مقاطعا) تخبرني المزيد…
6
قلت : أ تذكر حين كانت الشوارع بيضاء تصيح تطالب بحقوقها.. تطالب بكرامتها…؟
قال : نعم. أذكر وقد رافقتكم في إحدى مسيراتكم.. وصدحت حناجركم ضد فساد النظام رغم الصيام…
قلت : تلك أيام كانت بالمركز. لكن أحدثك عن مجزرة المخزن التي اغتالت الأبوة… اغتالت الكرامة واغتصبت حق التظاهر..
قال : (مندهشا) أ تغتال دولة الأبوة علنا؟
قلت : نعم. دولة فرضت التعاقد وتسلحت برشاشات المياه؛ مياه قمعت؛ ولم تستطع أن تطفئ نيران أكلت جسد الصغيرة هبة التي ستظل سيقانها الناجية وصمة عار على جبين الوطن، وطن أحضر رشاشة بقوة صنبور…
قال : أما هبة فأعرفها إذ سميتها، خبرت ذلك من وجع قلب أمها المكلوم ودعائها الدائم. وأما الشهيد فلا؛ فشهداء الوطن كثر فمن تقصد؟
قلت : صدقت الشهداء كثر؛ والجاني واحدُ. أقصد شهيد قضية الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد “عبد الله حاجيلي” ، الذي لم يسلم من “زرواطة” المخزن؛ اغتاله فيَتَّم وأرمل.. وعدل في نفسياتنا الكثير…
قال : صدقت. ذكرتني فأبكيتني؛ إن “هدى” ما زالت تضع صحنا له على مائدة الإفطار. تنهد وتابع : وما ذهابي عنك سوى لمواساتها ومن مثلها وتذكيرهم بما عند الله.
قلت : حسن فعلت يا سيدي. لكن أ تدري أن دماءه رمز الصمود؛ وحتما دون إدماج وفوز لن نعود…
قال : أ تقصد للعقود؟
قلت : نعم. لكن نسأل الله أن يرحم شهيد القضية ويلهم ابنته التي شاهدت وشهدت الحدث الصبر والقوة. وباقي أفراد أسرته… أما الشهيد فسيظل حيا في قلوبنا لا يموت…
قال : آمين. هل تعلم مكانة الشهيد عند الخالق سبحانه؟
قلت : قد اخلتطت علي مشاعري وتذكرت خراطيم المياه الضائعة، وألسن اللهب التي اكلت هبة، ولسعات السم التي سرت في إيديا وقريتها. فاعذر حالي وأخبرني.
قال : أما وحالك هكذا فتُعذَر. ولنا في الغد كلام، لعله يخفف الآلام…
(يتبع)
الكاتب جواد ذو الهمة
(تتمة)
7
قال : الشهادة مرتبة عظيمة يمنحها الخالق لمن صدق النية وكان مبادرا لإعلاء كلمة الله.
قلت : هذه الشهادة؛ وما الشهيد؟
قال : الشهيد في الإسلام هو من سعى لتكون كلمة الله العليا، غير طامع في عوض أو جزاء من فناء الدنيا…
قلت : مقام رفيع؛( أحسب حاجيلي قد بلغه) أظن أنه لن يناله من تطاول على عرض نصف المجتمع!
قال : بدأت بألغازك من جديد فما الموضوع بالتحديد؟
قلت : الموضوع الإعلام.. بعضه طبعا لا أعمم الكلام..
قال : بعضه أو نصفه سيان أخبرني عن العنوان…؟
قلت : لو لا أني أتهيب الخروج عن الطريق؛ ما لخصت لك الأمر في : تغريدة بطريق..
قال : حِدٰتَ ولا جَرَم فالسابق بالشتم أظلم..
قلت : اذن تعرف الموضوع بلا توضيح…
قال : نعم. كفاك أن جئت بتلميح. ثم تابع : إن مثل هذه المواضيع، يستحسن أن لا تأخذ أكثر مما تستطيع…
قلت : (متغزلا) أوضح.. يا صديقي الوديع.. ولا تنس أن تكون لنا شفيع…
قال : بينما أسد يمشي استوقفه قرد، وقال: بارزني. قال: الأسد، لست ندا لي، لكن القرد تمادى وقال : أنشر الخبر أن الأسد ملك الحيوانات يخافني. قال الأسد : ومن يصدق أن قردا يهزم أسدا أو أسدا يخاف قردا، فقل ما شئت ثم انصرف عنه وتركه.
قلت : لي بيت شعري أحفظه يوثق حكايتك، لكن ما العبرة سيدي من قصتك؟
قال : الصمت أمام من هم دون مستواك قوة، ففي مجادلتهم اعتراف بهم، تخبرهم أن كلامهم له أثر، والحكمة أن تكون كقطر، مهما صاحوا وضيقوا اتسعت وتقوت في صمت…
قلت : تعرف الكثير؛ لكن وعد الحر دين عليه قال الشاعر :
لا تظنني فيما قلت عديم الجواب
لكن من شيم الأسد ألا تجيب الكلاب
قال : صدقت. السكوت عن الجهلة تسفيه وتسفيل لهم ولحناجرهم المبيوعة؛ وحتما قد أغناك عن الرد الكثيرون..
قلت : والله ما استوقفني سوى عظمتك ومكانتك، وعدم إعطائه اكثر مما يستحق؛ حتى أني لن أسميه. فأن يفهم رسالتي القليل خير من الشتم والتضليل…
قال : في الحوار لا أجد لك مثيل؛ لكن الوقت أصيل و….
قلت : طبعا عليك الرحيل…
8
قال : ما الحرية عندكم؟
قلت : أ تسألني في موضوع عجز عنده الفلاسفة؟
أرى أن أحلى ما فيها اسمها…
قال : ما ذلك أعني؟
قلت : هات السؤال بأسلوب ثاني!
قال : تعريفا للحرية أريد، ليس نظريا بل كتجسيد…
قلت : يصعب علي إجابتك بالتحديد فهذا موضوع يحتاج دوما مزيد.. لكني أرى أن أسألك عن الدافع ما الذي أثارك وأضحيت بالموضوع راجع…؟
قال : رأيت أن تفسيركم للحرية متعدد، الكل فهمها كما أراد، ووضع لها حدودا بما يوافق غايته ومقصده، من اعتبر الحرية انفتاحا يشبه انحلالا، ومن يوظفها هنا وينساها هناك…
قلت : صدقت؛ الحرية عندنا تعاني شرخا بين المفهوم والتجسيد، تعاني خللا بين الإدراك والتقليد..
قال : معك حق؛ لا أذكر للحرية سببا سوى لحفظ الكرامة. ولعل اقتصاص عمر رضي الله عنه من ابن الأكرمين وقولته المشهورة ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار(1) “. لَخَيرُ دليل على ذلك. ثم تابع : أما الحرية عندكم فلباس وقصات شعر وعري وتفسخ وانحلال يصل بالضر للغير رغم تعريفكم “تنتهي حريتي عند بداية حرية الآخر” إلا من رحم الله.
قلت : أرى أن الحديث في الموضوع أصبح نفسيا عاطفيا فيه عزة وأنفة فارغتين؛ ولم يعد دينيا وامتثالا؛ ولعلها سياسة مدبرة، من قبل بعض الفجرة..
قال : العزة والأنفة ذاتها التي جعلت الجاهلية تئد بناتها…
قلت : ربما؛ لكن هذه جاهلية أخرى أعمى وأضل؛ فالنصيحة عندنا فضيحة، والحقيقة زيف والحق ناله الإقصاء والحيف..
قال : صدقت؛ لكن الخطير أن التبرج عندكم حرية لباس أو جسد، والايمان في القلب لا يجاوزه وإن فسد، مفاهيمكم تغيرت كثيرا…
قلت : حتى الكلام عنها يكاد يكون مغيبا. ومتى ما أثير الموضوع؛ نالتك الرؤى والتحاليل فتمسي بصوابك موجوع..
قال : أسأل الله العظيم أن يردكم إليه ردا جميلا. فالحرية حرية تفكير ومعتقد، حرية تجعل الفرد يقدر قيمة الروح والجسد، تجعل الحكيم حرا في اعتزال كل ما فسد، وليس تقليد كل ما رأى وما وجد…
قلت : آمين؛ تعريف ماتع دقيق.. لك كل التقدير يا صديق؛ من اتبعه حرا لا عبدا لن يضل الطريق..
قال : على الرحب والسعة. (ثم انصرف)
(1): في سياق آخر وهو الأسلم غالبا؛ جاءت قولة عمر هكذا ” مُذْ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”.
(يتبع)
الكاتب جواد ذو الهمة
(تتمة)
9
قال : ما مهنتك فالحكمة سمتك؟
قلت : ليست لدي مهنة لكني أحمل رسالة…
قال : ما رسالتك إذن؟
قلت : أحارب الجهل و…
قال : فأنتم رسل المعرفة إذن؟
قلت : نعم.
قال : ما لي أراكم أكثر من عود الأراك في الافواه والالسن؟! ما قصتكم ولمَ أحس دواخلكم غير مطمئنة؟
قلت : أسباب كثيرة سيدي؟ لكن أخبرني هل كنت تحس هذا منذ زمن أم في هذا الزمن؟
قال : النصف الثاني من كلامك هو الجواب، فحدثني عن تلكم الأسباب؟
قلت : أ ترى لو كنت منشغلا بعملك مهتما ببيتك مؤديا لواجباتك الدينية والعلمية؛ أن يفضل لديك وقت تأكل فيه لحم أخيك؟
قال : طبعا لا.
قلت : فالسبب الأول الفراغ؛ الفراغ الروحي والديني والاجتماعي… الفراغ الذي جعل من المقاهي عادة؛ وأخلى دور العلم والتحصيل والعبادة؛
قال : فما دوركم وانتم أصحاب قيادة…
قلت : اه اه ومتى كانت لنا الريادة؛ لدينا وزير ونائب ومستشار زيادة؛ وأكثرهم يسفق للبلاهة والبلادة..
قال : من المسؤول إذن هات إفادة؟
قلت : نتشارك المسؤولية مدنيين وسادة؛
قال : حيرتني في الرد؛ هل تتبادلون الطلق والرد؟
قلت : لا ذلك ولا هذا؛ نحن رغم المعرفة صامتون؛ وهم بعد صمتنا فوق الكراسي نائمون!
قال : (مبتسما) فأي مستقبل في الانتظار؟
قلت : رويدك؛ لا تسرع؛ ففي الحاضر ناس تعاني الاحتضار!
قال : كلامك فيه نظر! وكثير من العبر!
قلت : فيه عبر صدقت؛ لكن هل تسمح لو سألت؟
قال : تفضل. لكن لا تتعجل… فحتما سيبرق أمل..
10
قلت : مرحبا كيف الحال؟
قال : لا تطل وهات السؤال؛
قلت: في الحقيقة أريد رأيك في مقال؛
قال : تفضل إني أسمع وأرى؛
قلت : ستعذر طول الكلام؛
قال : لا بأس. إن كنت قوسا أفلت السهام؛
قلت : أ تدري قصتنا الأخيرة؛ تعليم عن بعد دون وسائل به جديرة؛ وتفاوت طبقي؛ وعدم تكافؤ الفرص، رغم أن هذه الأخيرة أغنية تتغنى بها الوزارة، ربما اعتبرتها أمرا خاصا يحتاج استخارة؛ ولم تعبأ بسكان الهامش والجبال، أناس دون تعليق الهواتف “الريزو” محال؛ فهل لهؤلاء إلى التعليم من سبيل؟ أم أنها مجرد مسرحية وزارية أو تمثيل؟
قال : صدقت؛ أكون شاكرا إذا أجزت وأكملت!
قلت : هذا مجرد مطلع من بداية، فإن خفت الاسترسال؛ فمنك نسمع الحكاية؛
قال : ورطتني معك؛ كنت سعيدا بحوارنا حول العبادة، وكيف تتحول التلاوة إلى عادة؛ والسعي لحسنات زيادة و..
قلت : طبعا أحترم رأيك يا رمضان؛ أنت شهر توبة وغفران؛ وتقرب وقرآن؛ لكن فدني في موضوعي وجد ببرهان.. فالسؤال طبع أنجح إنسان…
قال : بعد كلامك المعسول؛ لم تترك لي سبيلا للعدول؛ فاسمع ماذا أقول؛
قلت : كل أذان صاغية…
قال : التعليم تواصل فيه لمقام الأستاذ اعتبار؛ وليس مجرد صوت وصورة وتحقيق استمرار؛ قد يكون على حساب أشياء عديدة أذكر منها باختصار: حرمان لمتعلم ليس له هاتف أو رصيد؛ وغياب أي تسطير للوضع الجديد؛ فعقلية التلميذ المغربي كما الأستاذ؛ لم تهيأ لتعليم أو تعلم في الابتعاد؛
قلت : فعلا؛ كأنك تكلمت بلسانهم أو لساني؛ فقد ذكرت ولخصت ما منه نعاني..
قال : لكن رأيت أنكم نساء ورجال؛ حاربتم الجهل في المدن والارياف والجبال؛ ولم تهتموا لرصيد او وقت أو مال؛
ولي لكم نصيحة وأظنكم لها عارفون؛ لا تنتظروا اعترافا في دنيا أنتم فيها عابرون…
قلت : ندري المكانة التي خصنا بها الخالق؛ وسنمضي فيها غير آبهين بالخلائق.
قال : ذلك ما أبغي لكم… والسلام.
11
قلت : أريد استشارتك في موضوع..
قال : ديني أم فيه شريف ومبيوع..؟
قلت : كأنك أضحيت تعرفني، وقبل اللفظ تأتي بالمعاني؟
قال : خبرتك حقا بين يوم وثاني؛ وأن تدخل في الموضوع عندي أعظم الأماني!
قلت : في الحقيقة القضية تهم الجميع؛ وأريد تبين تفاصيلها منك لو تستطيع!
قال : تود أن تكشف المستور؛ وتجعل مني جسر العبور؛ هات فربما شوقت الجمهور!
قلت : (وانا في نشوة وحبور)؛ كم أنا لفهمك وصحبتك شكور؛ وسأخبرك القضية في سطور: ” تعلم أن أننا نعيش فترة حجر صحي؛ بسبب مرض وضعه سري؛ وتعلم أن العالم كله وحد من إمكاناته؛ واستعد بالوسائل لمحاربته؛ لكن المشكل أن القصص والمؤامرات كثيرة؛ والأرقام لا تكف عن التوقف في كل ظهيرة؛ مما شكل حربا نفسية على العديد من الناس، وجعل آخرين يستغلون الوضع بطرق مختلفة وأسر أصابها الإفلاس”.
فهل تقدم لنا قراءتك في الموضوع وتطلعنا بنظرتك الربانية؛ عساك تخفف أو تصنع مرهما لجروح القضية..؟
قال : لقد جشمتني مقاما وعرا؛ خلتك تطلب عبرا؛
قلت : جشمتك لكن لا تجعل كفي صفرا، فقد شغلني الموضوع صبحا وظهرا!
قال : ما هكذا ينظر للابتلاء، بل بالاستغفار لرب السماء؛ والإصرار على رفع البلاء؛ فمن ابتلى الأنبياء، وكشف عنهم الداء سيكشف عن عباده الضعفاء..
قلت : صدقت. سبحان من أنزل الداء والدواء؛ وأخرج يونس من بطن الحوت بدعاء..
قال : وأما عن حال الأمم؛ ففيه الكثير من النعم..
قلت : حدثني عنها..
قال : شغلهم المرض عن الظنون، واستعاد عافيته ثقب الأوزون؛ وارتاحت المسارح من غوغاء الفنون، واخضرت الأرض وجدائل الزيتون، وما زال الناس إلى الخير يتسابقون،
وما دمتم كذلك فكورونا يهون..
قلت : صدقت. لكن كيف يهون وضحاياه تعد بالمليون..؟
قال : متى كنتم إعلامكم تصدقون؛ تكاد تصيبني بالجنون؛ دعني عنك ولا تكشف سرا مكنون..
(يتبع)
الكاتب جواد ذو الهمة
(تتمة)
12
قلت : ها قد أقبل الصديق؛ من يبعد عني الوحدة والضيق.
قال : سلمت يا رفيق، هدفي دفع الأمة لتستفيق…
قلت : ولي في نوم الأمة مسألة، وهذه الصورة توضح الحالة، وستفيدني في الأمر لا محالة!
قال : ربما تدفعني لتقديم استقالة. ثم تابع : لكن موضوعك اليوم مهم لدي فيه للأمة رسالة…
قلت : علمت أن وضع من طالهم التهميش والنسيان، لن يخدلوا من شهر الرحمة والغفران!
قال :(في رسالته) : “من رمضان شهر التوبة والعتق من النيران؛ إلى كل من على البسيطة من إنسان.
في ظل الوقت تعيش فيه البشرية اختبار، وأحست بما للمرض من أخطار، وسرعة ترحاله في الأمصار،
قبل هذه اللحظات ومنذ وقت وزمان، كانت فلسطين وسوريا تحت القصف والعدوان، وكنتم تعيشون حياتكم بكل أمان، وكأن ما يحدث في تلك البلدان، ليس أفجع من مرض جعل قلبكم في خفقان…
قلت : صدقت. حتى أن إعلامنا يكاد يجبرنا على النسيان…
قال : إن كان اعلامكم يعتبر الهدام فنان، فأين وعيكم وهل لكم من برهان…
قلت : لم تخيب أملي فيك، ولست أجد حجة تفيدني أو تكفيك…
قال : بعلمك تصنع ما يشفيك، لتفهم أن الحياة أكبر مما يرضيني أو يرضيك، إنما الغاية أن تعلم ما يعنيك..
قلت : وكيف أعرف من هذا العالم ما يعنيني، وقد سنت قوانين كثيرة تستثنيني..؟
قال : الحياة دون صراع ومكابدة لا تستهويني، بقائي مع الحق دوما يقويني، والوقوف في وجه الظلم رغبة تعتريني..
قلت : تلك خاصيات حباك بها الخالق، أما حكام بلادنا فنصفهم نائم وبعضهم منافق، إذا تكلم أو حاور زور الحقائق وإذا اتمن أو استرأس انقلب في دقائق.. ونسي أيام المجاعة والثورة وأكل النقانق… وأما من أراد أن يساوي وينصف فَلِجعله من قطيعهم عدة طرائق… ” ُيزَوِّرُونَهُ” في الكراسي والفنادق حينها ينسى كل منتخِب أو مرافِق…
قال : أ تدري مع ذلك امضي قدما ودع تدبيرك بيد الخالق فمن غيره يدبر أمر الخلائق… لا تعوزه الثواني ولا الدقائق…
ونصيحتي: ان أهجر الاقتراع والصناديق..
13
قلت : أهلا بك.
قال : سلمت. هل لديك موضوع؟
قلت : كثرت القضايا والمواضيع؛ بين سهل ومنيع؛ وعلى كتمانها لم أعد أستطيع…
قال : تلعب بالكلمات متوسلا علم البديع؛ فأخبرني الحكاية وكن مطيع..
قلت : الحكاية فيها قصص عديدة؛ فيها ما حدثك عنه وفيها الجديدة؛ لكن المسألة الفريدة؛ حوار دون معلومات سديدة؛
كله في إطار التشاور ولا إجابات رشيدة…
قال : من تقصد فكأنك ألفت قصيدة، وتركتني حائرا في أبياتها العتيدة؟
قلت : أمام التلفاز اجتمع الاحباب؛ وصمتوا وللإنصات وفروا الأسباب؛ لكن المذيعة تسأل وسيادتهم دون جواب؛
تسأل : ما وضع الوباء في البلاد يا حكومة؟
يجيب : “عرفناه حتى حنا بقيتوا غي نتوما”
تسأل: متى ينتهي الحجر الصحي؟
يجيب : “قلت لك كلشي في إطار الدراسة يا ابنتي”.
قال : (متأملا) حالك عجيب، وازداوج لسانك مريب؛
قلت : في هذا الوقت العصيب؛ تعجز الحكومة أن تجيب؛ فكيف تتوقع حالي يا حبيب؟
قال : الآن فهمت الغاية التي تقصد وتريد؛ وكان قبله وزير لم يجد بتحديد؛
قلت : نعم. قلنا لا بأس حين لم يوضح أمزازي فلدى العثماني مزيد؛ فانتهى بنا المطاف دون خبر أكيد…
قال : كلامك يطبعه القصر؛ كأنك ضيف أو مريض يحتضر
قلت : صدقت. خبرت المظهر والجوهر..
14
قلت : لو أني أردتُ أن يعود الحوار؛ كما كان سابقا بعيدا عن الأنظار وما يجري من تلاعب أو اجترار؛ واعتبرتُ ليل وطني رغم الظلم نهار؛ كيف تحدثني وبما تنصحني يا شهر الاستغفار؟
قال : عجبا كيف تغير نظرتك ام عِفت الأخبار، فقد كنت تنقل الرسائل بكل اقتدار؛ ولكن طلبك للنصح صفة الصحابة والأخيار؛ ولن أبخل عليك وللحديث.. استمرار!
قلت : أردت طرح سؤال لكنك تعرف وتدرك الحال!
قال : الحقيقةُ في حالكم ألف مقال؛ وأهم ما يشغلكم هو المآل؟
قلت : حدثني عن مشاعر الصلاة والخشوع، عن فضل السجود والركوع! كيف نصنع بهجة قلب موجوع؟
قال : يا لهفي نفسي لهكذا موضوع؛ خشيت ان يكون الحديث عنه ممنوع!
قلت : لهفتنا لحديثك عن تقوى القلوب؛ وما لها من أثر في محو الذنوب؛ أَشْعَرُ وأَبْيَنُ من تغزل عاشق بمحبوب..
قال : إن سَرَّكم أن تضمحل الكروب؛ وأن تَحْيَوا هانئين رغم الخطوب، فاحذروا الكيس المثقوب…
قلت : ما الكيس المثقوب؟
قال : تتصدقون ومع المساكين تتصورون؛ كيس مثقوب،
تسبحون بالأسحار وتكذبون بالنهار؛ كيس مثقوب،
تبنون سدا للماء وتمنعونه عن الصحراء(1)؛ كيس مثقوب.،
تحرصون على ورد القرآن وتظلمون الإنسان؛ كيس مثقوب،
تجرون وراء الأحلام وتقطعون الأرحام؛ كيس مثقوب؛
تشبتم كثيرا بالفانية ونسيتم الباقية؛ كيس مثقوب؛
الحلال رياء وكلام والفعل مكروه وحرام؛ كيس مثقوب؛
فقلت : (والعبرات نازلة) كيف نفرغ قلوبنا من دنيا زائلة؛ والدين محارب في كل بيت بناقلة؛ إلا بيوت من شدة اختلافها تراها ذابلة…؟
قال : فلتكن لكم إرادة باسلة؛ فالزروع تواضعا تراها مائلة؛
أ فتقوى الزروع وتعجز العائلة…؟
قلت : صدقت. فالبيت عماد الفلاح؛ وتربية الأم درب النجاح؛ وتقوى الوالد عنوان الصلاح!
قال : أصبت. تلك حقا صور الكفاح….
قلت : أ تقصد بالكيس المثقوب؛ حسنات اعتلتها الذنوب؟
قال : تماما. وهل يحتفظ بالمال سروال مبتور الجيوب؟
ج. ذ
الصحراء؛ كناية عن الجنوب لذي يموت عطشا وإقصاء وتهميشا، والله المستعان.
قم بكتابة اول تعليق