موند بريس:
الكاتب: جواد ذو الهمة
قلت : نِعْمَ الضَّيْفُ.
قَالَ: صدقتَ إذْ سَمَّيتني ضيفا.
قلت : ولم؟
أجاب : أياما معدودات..
قلت : كل أيامنا معدودات.. فيها يوم نحس فيه أنفسنا ملائكة من الزهد.. ويوم نظل نسقط عبراتنا في محراب الخالق لتغفر زلاتنا… ويوم نحس فيه سعادة لا نعلم لذلك تفسيرا بل نحسه … فما سرك؟ ما ميزتك؟
قال : أيامكم تركت لكم وإن كنتم وإياها لله الواحد. لكن أنا لله؛ أ فالذي يجزيكم عم لكم!! فكيف يكون الجزاء عم له..!!
قلت : زدني… أوضح..
قال : للحديث بقية.. فاغتنم وقتك…
قلت : كيف اغتنم وقتي؟
قال : عود نفسك الذكر والفكر…
قلت : عجيب أمرك كلامك ألغاز.. لكن وضح لي أولا ما تحدثنا عنه أمس.
قال : بل أخبرني ماذا فعلت أمس؟
قلت : قلت أ سؤال بسؤال؟
قال : بل قول وعمل.. كم صليت فوق خمسك وكم قرأت فوق وردك وكم صدقت فوق عرفك وكم حفظت فوق حفظك.. و..
قلت : (مقاطعا إياه) ولِمَ..؟
قال : أ نسيت أني ضيف، ومهما طال أمدي قصر… ثم إن حاجتكم لي لقصر أعماركم؛ كحاجتكم لسنوات تعتكفون فيها،
قلت : صدقت (وجالت في ذهني حكاية وقصة، أجلت قولها للغد مخافة أن يتهمني رمضان بانفاق الوقت وتبذيره).
ولي حكاية نناقشها غدا…
قال : على الرحب والسعة ثم انصرف…
قال : ما قصتك أخبرني؟
قلت: مع أنك شهر يتيم إلا أنك أكثر الشهور طولا..
قال : ماذا تقصد أفصح عن مكنونك؟
قلت : فيك ليلة أعظم من ألف شهر؛ وليس أحد عشر شهرا فقط؛ فقد فقت بقية الشهور.
قال : صدقت. وإني قد جئت لإطالة عمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم في العمل الصالح، لما كانت أقصر الأمم أعمارا؛ وليس لأتفوق على إخوتي أو أترفع.
قلت : أ هي مزية خصك الله بها؟
قال : بل كرم من ملك لا ينفد. لكن لست وحدي صاحب هذه المزية ففي أيامكم التي تحسبونها عادية كنوز عظيمة.
قلت : لا شك أنها موضوع اللقاء الموالي.
قال : صدقت… ثم انصرف.
قلت : حدثني عن أيام نحسبها عادية وأجرها عظيم؟
قال : يوم عرفة له فضل عظيم، وقد وردت أحاديث عدة تبين هذا الفضل؛
قلت : وما نص الحديث؟
فقال : في “صحيح مسلم” عن أبى قتادة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله والسنة التى بعده».
قلت : وما معنى ذلك؟
قال : معنى الحديث أن صيام يوم عرفة يكفر ذنوب السنة الماضية، ويحول بين صائمه وبين الذنوب فى السنة الآتية.
قلت : أجر عظيم فعلا. وهل من أيام غيره؟
قال : للحديث بقية… ثم انصرف…
قلت : خطب جلل..
قال : ما هو؟
قلت : نخشى أن يضعوا لحوارنا قواعدا تسيره ولا تيسره؛ تكبله ما استطاعت، وإن عجزت تكممه”…
قال : ما الخطب؟ أخبرت فأجزت فلم تفصح، من ييسر ويعسر؟
قلت : دولتنا أمد الله في عمرك..
قال : إنها السياسة إذن ؟
قلت : نعم؛ وإني أراك أقدر مني بيانا، فقد كنت فيهم من دوني أزمانا….
قال : لكن أخبرني ما هذا الأمر الذي ضيع علينا حديثنا وشوش جمعنا؟ وجعلني أُنصِتُ بدل أن تُنصِتْ؟
قلت : حين سكت أهل الحق ظن أهل الباطل أنهم على حق؛ ولأن أيامك مباركة أحييت نفوسا ماتت؛ وأيقظت ضمائرا نامت؛ فصاحت كفى تفاهة؛ لا نريد إعلاما تافها.. كانت المفاجأة!
قال : ما هي؟ مابك تخرج من جحر إلى مغارة!
قلت : أخشى أن يطول حديثنا؛
قال : فصبر جميل؛ (ثم انصرف)
كل التوفيق