جائحة كورونا : طريق إلى التحرر أم طريق إلى العبودية
موند بريس:الصديق الورديغي

تشكل الأزمات المالية التي تعصف بالبنوك الأمريكية والأوربية، والأزمات العالمية المتجلية في الحروب التجارية والبيولوجية مختبراً لفحص إحدى أهم نظريات الليبرالية الاقتصادية، وهي نظرية “عقلانية السوق”المبنية على الفرضية الاقتصادية الأساسية القائلة بأن السوق قادر وفق آلياته الذاتية على التخصيص الفعال للموارد الاقتصادية، وبالتالي، هو قادر على بناء نظام اقتصادي فعال ورشيد، لإدارة تلك الموارد، أي أنه في النهاية نظام عقلاني، ووفق تلك النظرية، وبناء عليها اشتقت العديد من الأطروحات والنظريات الداعمة والمؤيدة لها، التي لا تبتعد في جوهرها عن تقديس الحرية الاقتصادية الفردية، مستمدة جذورها الفكرية من كلاسيكيات الاقتصاد الليبرالي لفريدرك هاييك وفريدمان. لهذا نطرح الإشكال الإقتصادي التالي:
هل إقتصاد السوق قادر بقانون العرض والطلب أن يحقق رفاهية الشعوب وترفها؟
أم هذا النموذج الإقتصادي تخلى عن إبنه الأصلي ليتبنى نظرية الأزمات الدورية(نظرية المؤامرة) ليبقى شامخا من جديدا؟
أم هل عاد إلى إبنه غير الشرعي ( توماس مالتوس) ليبني إقتصادا على الخوف والهلع والتخفيض من الساكنة العالمية لتتحقق الرفاهية الباقية؟
وأخيرا هل يمكن أن نتحدث عن نهاية التاريخ بتعبير “فوكايامي” للنظام الرأسمالي وبداية تأسيس لنظام جديد؟
لا شك أن توأم العرض والطلب لم يعد قادرا على تسيبر السوق العالمي، إذ لم نقول أنه لم يتحقق منذ بداية تأسيسه مع المدرسة الكلاسيكية (آدم سميت وريكاردو) على سبيل المثال لا الحصر.
فالإنسان بفطرته المالية يتدخل في تحديد الأسعار لأي منتوج، ولعل تدخل البنوك المركزية والدول في المضاربات وتحديد سعر الأسهم من أبرز تجلياته ومظاهره، إذا وهم التحدث عن نظام السوق كمبدأ إقتصادي رأسمالي لم يكن خاصة مع بروز المدرسة التدخلية الكينزية التي أعطت للدولة يدا فاعلة في النظام المالي والإقتصادي، فالدولة يجب أن تتدخل لحل أزمات الركود، ولعل ما نعيشه الآن من أزمات دوية في النظام “بترو دولار” ناتجة عن تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في خلق أموال من عدم (exlinho économique) وطبع للدولار دون أي إحترام لقواعد إنشاء العملة، كما أن تدخلها في السياسات الإقتصادية للدول البترولية يؤكد أن “الكينزية التدخلية” كانت المسار الشبه الصحيح للرأسمالية من أجل أن تبقى شامخة من جديد، لكن مع بروز الحرب الطاقية والأزمات المالية لثمانينيات القرن الماضي بدأ العالم تدريجيا بالتخلي النسبي عن نظرية “جون ماينارد كينز” لأن الأنظمة الرأسمالية سبب بقائها تعاملها الفعال مع إدارة الأزمات المالية الكبرى ومن جهة أخرى، إستفادت من نظريات كارل ماركس عبر خلق وهم “الإقتصاد الإجتماعي” لكن هل ستبقى دائما الأزمات تشكل الحل للخروج من تعثرات النظام الرأسمالي أم أن أزمة 2008 والحروب البيولوجية سيكون لها رأي أخر؟
فأزمة الرهن العقاري (2008) الضربة الصعبة للنظام الرأسمالي، فخلق الأزمات كان ضد الأنظمة الرأسمالية هذه ليتأكد أن فكرة خلق الأزمات لعبة نرد فقط، فلم تسبب الأزمة خسائر مادية وإقتصادية فحسب ولكن أعلنت عن صعود قوى جديدة في السوق العالمية أو ما يصطلح عليها بدول ( BRICAS) (البرازيل، الهند، والصين) هذه الأخيرة ستبدأ في الإستحواذ على التجارة الدولية واحتكارها، ففي الوقت الذي كان الإقتصاد الأمريكي مشتغلا “بإقتصاد الحرب” في الشرق الأوسط عبر إستنزاف ثروات الدول العربية، باشرت الصين في حركاتها الإسثمارية في إفريقيا بخلقها لإقتصاد السلام” لتكون سنة 2020 سنة الصدمات الناتجة عن بداية الثنائية القطبية من جديد بين أمريكا والصين؛ خاصة وأن الرئيس الأمريكي ونائبه المتطرفين سبب وجودهما على تاج الحكم هو محاولة إنهاء البعبوع الصيني ؛ فبدأ كل هذا بحرب تجارية منذ بداية 2019 برفع ضرائب على المنتوج الصيني في الولايات المتحدة وأزمة “الهاتف الهواوي”؛ كما تبنى الإقتصاد الأمريكي نظرية فريدمان في أن القضاء على دول في خلق زعزعة الأقليات في الدول ، وهذا ما لُوحِظ أثناء مجزرة ” الإيغور” في الصين، لكن لكل ضربة ضربة مضادة تحرك التنين الصيني فعندما تستيقظ الصين يتزعزع العالم فما أدراك أنها أصبحت قطبا عالميا الأن، واجهت الحرب التجارية بكل عقلانية فرضت نفس الضرائب على المنتوج الأمريكي واهتمت بصناعتها واختراعتها المحلية، عبر خلق منتوج حواسب وهواتف ذات مرجعية أصلية صينية، ومواجهتها للأقلية الإيغورية بكل عنف.
كل هذة التطورات، حولت صبيب الحروب من حروب تجارية إلى حروب فيروسية بيولوجية، لكن من المسؤول عن هذه الحرب؟
هل أمريكا من جديد أم الصين؟
أم جلسا على الطاولة ليحددا مصير العالم من جديد؟ الوقت هو من سيجيب على هذا السؤال، لكن تبني الفكرة المالتوسية في أن عدد سكان العالم لا يجعل الأنظمة الرأسمالية تعيش ترفها، وبالتالي يجب التقليل من عدد السكان خاصة الساكنة الغير النافعة (الشيوخ بالخصوص) عبر خلق مجاعات وأوبئة هدف هذه الحرب الغامضة، وستكون حامية الوطيس. وستعيد بناء العالم من جديد، فالتاريخ برهن عبر أحداثه أن الدورة الخلدونية حتمية تاريخية حتى الآن، فسنة 1719 تخلت الميركانتلستية الإسبانية ( الرأسمالية التجارية) عن الزعامة لطبيعية الفرنسية(physiocrate)، والقرن الثامن عشر كان شاهدا عن عودة بريطانيا لساحة العالمية عبر الثورة الفلاحية والصناعية، والقرن التاسع عشر كان مسرحا للصراع الأمريكي والسوفياثي بفوزهما في الحرب العالمية الثانية وانفراد أمريكا في القرن العشرين. فهل ستكون عشرينيات القرن الواحد وعشرين بداية إنفراد صيني وخلق نظام تحرري جديد على الساحة العالمية؟ أم أن هناك قطبية جديدة في العالم حروبها ستكون افتراضية لتخلق عبودية جديدة؟.
لعل ترف الإنسان في الأرض وجشعه يجعل الطبيعة تغضب على هذا الأخير، فلا شك أن لكل سبب نتيجة حتمية ، ويتجلى ذلك في قوله سبحانه وتعالى: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا”.سورة الإسراء. والأنظمة كالإنسان إن فسدت فسقت فدمرها الله تدميرا مسألة وقت وفقط، لكن وضع الكمامات على الأفواه يُبشر أيضا ببداية الحجر على الأفكار
والأراء.
مقال شيق وتساؤلات في محلها، في انتظار الإجابة التي ستظهر في القادم من الأيام، تحياتي .