الصين تخفي معلومات عن كارثة فيروس كورونا

موند بريس  :

يُعدّ وباءُ “كورونا” أزمةً للصحة العامة العالمية، وهو الذي أعلنتهُ منظمةُ الصحة العالمية “جائحة”، وذلك بعد أن انتشرَ من مدينة ووهان الصينية ليَطال دولَ العالم. وبينما يكافحُ العالمُ اليوم لاحتواء هذه الجائحة التي أدّت إلى وفاة الآلاف وتعطيل الاقتصادات على مستوى العالم، تُطلُّ على العالم معركةٌ أخرى قد تكونُ أشدَّ ضراوة، أطرافُها الدول الكبرى التي شكَّلَ لها الوباءُ تحدياتٍ داخلية وخارجية، وما انفكّت تتبادلُ الاتهامات مُحمِّلةً بعضَها البعض مسؤوليةَ تفشي الفيروس.
يتهم العديد من الدول الغربية الصين بأنها أخفت ولا تزال تخفي معلومات عن مصدر الفيروس وانتشاره، وتقدم معلومات مغلوطة في ما يتعلق بالأعراض وتأثيره في الإنسان وطرائق انتقاله، حتى أنها تكذب في عدد المصابين لديها وعدد الوفيات جراء المرض، خصوصًا أن تقارير لاحظت أن مدينة ووهان الصينية، حيث بؤرة تفشي المرض، عدلت أعداد الوفيات لديها فارتفعت بشكل مفاجئ بنسبة 50 في المئة عما كان معلنًا من قبل. وهذا يعد دليلًا جديدًا على أن الصين تخفي أكثر مما تعلن في كل ما يتعلق بهذا الوباء، وبالتالي يجب أن تدفع ثمن أخطائها.
فيروس “صيني”
منذُ بداية الأزمة، بدا الرئيسُ الأميركي دونالد ترمب كأنه يُحمّلُ السلطات الصينية مسؤولية انتشار الفيروس الذي اكتُشف للمرة الأولى في مدينة ووهان وسط الصين؛ إذ انتهزَ ترمب كافةَ المناسبات للإشارة إلى هذا الفيروس باستخدام مصطلح “الفيروس الصيني”.
وعلى الرغم من أنهُ قد واجَه انتقاداتٍ لاذعة تتعلقُ في معظمها بالعنصرية، فإنهُ ومع مُضّي الوقت يكتسبُ مصطلح “الفيروس الصيني” زخمًا كبيرًا في الأوساط الأميركية، على اعتبار أن الصينَ تصرّفت بشكلٍ غير مسؤول، عندما تركَت البابَ مفتوحًا أمام الفيروس ليتفشى في جميع أنحاء العالم.
ترمب أصرّ منذ بداية أزمة كورونا على استعمال مصطلح “الفيروس الصيني”
بالنسبة إلى الصين، شكَّل لها الوباءُ فرصةً لتحسين صورتها أمامَ العالم؛ إذ أمطرَت بكين الدولَ الأوروبية التي تكافحُ الفيروس بالمساعدات في إطار حملةٍ دبلوماسية لكسب التحالفات وتصوير نفسها كمُنقذٍ للعالم. إلا أن الصينَ تواجهُ اليوم ـــ في تحوّلٍ غير مرحّب به ـــ استراتيجيةً واضحةً لإلقاء اللوم والشكوك عليها من عدّة دول قد تقوّضُ بدورها طموحات الصين في أن تصبحَ قوةً اقتصاديةً وسياسيةً عالمية.
الشكوكُ تُخيّمُ حولَ الصين
بعدَ مرور قرابة 4 أشهر على ظهور “كورونا” المستجد، تنكشفُ تقاريرُ جديدة تتهمُ الصينَ بالمساهمة في انتشار الفيروس، بل منها ما ذكر أن بكين سمحت بانتشاره حتى تُظهِرَ قوتَها للعالم، ومنها ما أشار علانيةً إلى أن مختبرَ ووهان هو مصدرُ الفيروس.
لم يعُدْ يقتصرُ هذا الجدل على المقالات الصحفية فقط، بل ظهرَ في تصريحاتٍ من أعلى المستويات، إذ أكَّد ترمب خلالَ مؤتمرٍ صحفي أن بلادَه فتحَت تحقيقًا شاملًا لمعرفة مصدر الفيروس، وهو ما أكدتهُ قناة “سي أن أن” عندما نقلت أن الاستخبارات الأميركية تُحقق في هذا الموضوع. فيما صرَّح وزيرُ الخارجية الأميركي مايك بومبيو لـ”فوكس نيوز” أن بكين مطالَبةٌ بالإفصاح عن كل ما تعرفُه بخصوص انتشار فيروس “كوفيد-19” المستجد؛ ملمّحًا إلى مسؤولية معينة تقعُ على عاتقِ معهد علم الفيروسات في مدينة ووهان، حيثُ ظهرَ الفيروس أولَ مرة.
افتقار للشفافية
السردَ الأساسي للرواية الأميركية جاءَ في تقريرٍ نشرتْهُ قناة “فوكس نيوز”، حول وجود طريقةٍ ما تسرَّب من خلالها فيروس “كورونا” المستجد من مختبر في ووهان، حيثُ ظهرَ المرضُ لأول مرة في أواخر عام 2019، عندما كان الباحثون في المختبر يدرسونَ فيروسات الخفافيش التاجية، ثم قامت الحكومةُ الصينية بتغطية الحادث؛ وذلك بإلقاء اللوم على سوق المأكولات البحرية، ورفضها السماح بإجراء أي تحقيق مُستقلّ.
بينما تبدو الاتهاماتُ الأوروبية أقلَ وطأةً من نظيرتها الأميركية، وبغضّ النظر عن كيفية بدء الفيروس، فإن الحكومات الأوروبية تنتقدُ الصينَ لافتقارها للشفافية، ولقيامِها بحجبِ المعلومات، ولفشلها في الإعلان عن النطاق الحقيقي للوباء، ولإعاقة قدرة دول العالم أيضًا على الاستجابة لهذه الجائحة في الوقت المناسب، وهو ما أكدّهُ الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون في حوارٍ مع صحيفة فاينانشيال تايمز؛ إذ ذكَرَ أنّ هناكَ فجوات في إدارة الصين لأزمة فيروس “كورونا” المستجد، وأنّ هناك أشياءً حدثت ولا نعرفُها، وأشارَ إلى أنه في الأنظمة الديمقراطية التي تضمنُ حريةَ المعلومات والتعبير، تكونُ إدارةُ الأزمة شفّافة، وتخضعُ للنقاش. وهكذا، ترى أوروبا أن السلطاتِ الصينية عرَّضت العالمَ لمخاطر الصحة العامة والاضطرابات الاقتصادية، وهو أمرٌ غيرُ منفصلٍ تمامًا عن إلقاء اللوم عليها في ما يتعلقُ بأنها مصدرُ الفيروس.
الصين تمسكت بالتكتم ثم بالنفي: لم نطور فيروسات في مختبراتنا
تنفي الصينُ هذه الاتهامات كلها، وقالَ المتحدثُ باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو لي جيان: “أودُّ أن أذكرَكم بأن منظمةَ الصحة العالمية ذكرت مرارًا أن لا دليل على أن الفيروس صُنِع في المختبر”.
مسؤوليةَ قانونية
مع تفشي وباء “كورونا” في مدينة ووهان منذُ مطلع العام الحالي، قامت السلطاتُ الصينية بتضليلٍ واضحٍ ومتعمّد حولَ الفيروس، وتتفقُ دولُ العالم على أنهُ كانَ من الممكن إنقاذَ الصين والعالم من آلاف الوفيات في حال تصرفَت الصينُ بشكلٍ صريح ووفقًا لالتزاماتها القانونية بصفتها واحدة من ضمن 194 دولة موجودة في اللوائح الصحية الدولية لعام 2005، والتي تقضي بواجب الصين في أن تَجْمعَ بسرعة المعلومات، وأن تساهمَ في تبيان ما يمكنُ أن يشكّلَ حالةَ طوارئ صحية عامة ذات آثارٍ دولية مُحتملة، إذ تنصُّ المادة 6 من اللوائح الصحية الدولية على مطالبة الدول بتقديم معلومات سريعة وفي الوقت الملائم، بحيث تكون هذه المعلومات دقيقة ومفصّلة بما فيه الكفاية لمنظمة الصحة العالمية؛ وذلك بهدف الحيلولة دون انتشار الأوبئة.
هناكَ إجماعٌ متزايدٌ في الولايات المتحدة بين الجمهوريين والديمقراطيين على أن الحكومةَ الصينية تتحملُ المسؤوليةَ في انتشار الفيروس، من خلال إقدام الصين على حجبِ معلوماتٍ أساسية لأسابيع؛ كان من الممكن خلالها أن تستغلَ دولٌ أخرى هذا الوقت لتقومَ بتبني إجراءاتٍ تُسهم في وقف انتشار الفيروس.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد