موند بريس :خولة الفلاحي
قبل أشهر من الآن لم يكن أي منا يتخيل أن شبح الموت سيحوم حولنا بهذا الشكل ، كان الموت يتخذ أشكالا تقليدية تكررت مرارا حتى أضحت مألوفة ، لكن فيروس كورونا حل ضيفا ثقيلا طرق أبوابنا فانفلت من خلف الأبواب الموصدة و اخترق عوالمنا المكتظة حتى قلبها رأسا على عقب ، هذا الاختراق الغير مرغوب سينتهي لا محالة ، سينتصر العالم على هذا العدو انتصارا مريرا، سنخرج مرة أخرى كالذي ولد من جديد ، عدا أن الأشياء لن تظل على سابق عهدها.
فبعد الرجة التي أحدثها هذا الفيروس اللعين والتي زعزعت كيان الصحة مثلا و أبانت عن مدى قصوره وعن الضعف الذي يشوبه ، أصبح من الضروري القيام بوقفة عقلانية ،و دراسة عميقة تخرج لأرض الوجود استراتيجيات حكيمة وفعالة تنهض بهذا القطاع الحيوي من جديد، راجين أن تحدث هذه الصفعة تغييرا ملموسا أكثر من سابقاتها التي لم تكن جادة كفاية ولم تضع حلولا تمكننا من التصدي لأوبئة كهذه ، وإلا فإننا كنا سننعم الآن بحياة هادئة بعد أن نلنا من الفيروس بمعقله الأول، عدا أن المحاولات السابقة التي لحقت الأوبئة السالفة سعت فقط لترميم التصدعات دون امتلاك الجرأة الكافية لإصلاح الأمور جذريا فاكتفت بذلك و سارت لاهثة خلف ذيل التقدم .
لقد لعبت هذه الجائحة دورا المكبر و كشفت لنا عن هشاشة العلاقات بين العديد من الدول التي كانت تتباهى في الأمس القريب بوصالها الممتد وعلاقاتها المتينة مستعرضة اندماجها و تآزرها، الاتحاد الأوروبي أفضل مثال على ذلك، فكثيرون اليوم يراهنون على سقوط هذا الاتحاد -الذي صمد طويلا – وتفككه بعد هذه الأزمة الخانقة. إلى جانب ذلك أبانت دول عديدة على علو كعبها باتخاذها لتدابير استباقية وأخرى رشيدة ونهج سياسية عقلانية بمساعدة شعوبها التي عكست روح المواطنة النبيلة و الفذة وبادرت إلى إنقاذ بلدانها بتضامن جل طبقات المجتمع وشرائحه، هذه الإجراءات فاقت التوقعات وأخرست الحناجر التي كانت تصدح فرحا وتصفق فخرا لمجتمعات أظهرت جهلها وتعنتها ،وأنظمة أزاحت الرداء عن أنانيتها ومحدوديتها.
كما أن الاقتصاد تلقى وبدون أدنى شك الضربة الأقوى التي أردته قتيلا يحتضر سيما وطول إقامة هذا الزائر الثقيل، وفي السياق ذاته أقر العديد من خبراء المجال على أن النظام الرأسمالي المهيمن قد لا ينجو بدوره من العواقب فينهار ثم تنقلب موازين القوى لا محالة، إنه- كوفيد 19- بمثابة ثورة شعب متمرد لإسقاط الحاكم الجبار و اغتنام مرشح آخر للفرصة فيظفر بنصيبه من الكرسي فلا وجود لسلطة دائمة ،ما يعيد إلى أذهاننا ما نظمه الشاعر “أبو البقاء الرندي” قبل قرون خلت :
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إنْسَانُ هِيَ الأيام كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ وهذهِ الدارُ لا تُبْقي على أحدٍ ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ
الجائحة ستلقي بظلالها على المجال الديني أيضا الذي سيجتهد أصحابه مهما اختلفت معتقداتهم ودياناتهم في الدعوة إلى الرجوع إلى الله وطلب المغفرة باعتبار الوباء عقابا نتيجة سخط إلهي على هذا الفساد الإنساني الذي يدب أرضا.
غير أن هذا الإعصار البيولوجي لم يترك أحدا ، فنحن أيضا تجرعنا حنظل التجربة، وعليه وجب الخروج للعالم بصورة مغايرة، أن تكون حياتنا بعد الفيروس تطبيقا لدروس قيمة تعلمناها، فتجربة كهذه أرتنا أهمية الاستمتاع بكل لحظة ،أن نكون قنوعين راضين بأقدارنا، ألا نسيء للغير وأن نعيش الحب بحذافيره ففقد العزيز موجع، ألا نضيع وقتنا مع الأشخاص الخطأ…أدركنا بفضلها أن ما للإنسان سوى حياة واحدة ،وجب ارتشافها بالطعم الذي نشتهيه، وتيقنا على أن الأشياء التي كانت تبدو تافهة ورخيصة في الأيام العادية هي في الأصل ليست كذلك؛كقهوة على شط البحر، أو نزهة مع الصحب، أو جلسة عائلية حميمية، بل استوعبتا خير استيعاب قول سيد الخلق عليه السلام
<<مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا>>
قم بكتابة اول تعليق