وقفة أدبية: “حرب ضد عدوين”.

موند بريس: قصة قصيرة

الكاتب : الأستاذ المهدي فكري

_         نهض أمين من نومه قبيل رنين المنبه بخمس دقائق، الساعة تشير إلى 5:55صباحا، جعل هاتفه في حالة الصامت حتى لا يوقظ رنين جرسِهِ زوجتَه وأبناءَه النائمين، ولَجَ بِتسللٍ المطبخَ، وبهدوءٍ وضعَ كأس قهوته الصباحية وقام دون أن يكمل فطوره، ارتدى كمامته الواقية استعدادا لخدمة الوطن كما يفعل كل يوم باعتباره شرطيا.
التفت خلفه فإذا به يرى زوجته تنظر إليه نظرة عتاب وتقول له:
-ما بك يا أمين؟ منذ دخل الوباء بلادنا وأنا أراك مهموم البال ولا تكمل فطورك كما كنتَ تفعل سابقا، إلى متى ستظل هكذا؟
رَدّ عليها وهو يكمل تعديلَ لباسِه الرسمي:
– كيف للنعمة بالعبور وبلادنا في حالة حرب، قد أعطيت العهد أن لن يهدأ لي جفن قبل أن نهزم هذا العدو المجهري.
ابتسمت لكلامِه المفعمِ حُبًا لوَطنِه _وما ذهاب الشهية وقلة النوم إلا من علامات الإخلاص في الحب والهيام_ أي نعم ! إنها تعلم أن زوجها محبٌ لوَطَنِهِ حُبَّهُ لَها، ومع ذلك فهي لا تغار ما دامت أيضا جزء من هذا الوطن، ولأنهما اجتمعا معا لأجل هذا المقصد العظيم، فهي أيضا تعمل بدورها كمدرسة بكل جد في هذه الأزمة وتتابع كل تلميذ من تلامذتها على حدة حرصا منها على متابعتهم الدراسة عن بعد، بل ومن كمال حبها لوطنها أنها تشحن هواتف تلامذتها المعوزين الذين لا يمتلكون الأنترنيت برصيد حتى تستطيع تتبعهم. أي نعم! إنهما يتقاسمان نفس الحب، وكما يقول المثل المغربي “طَاحْ الحُك، وصَابْ غْطَاهْ”
ابتسمتْ لكلامِه ابتسامةً رقيقةَ ثمّ مَدّتْهُ المُعَقِّمَ حتى يَستعمِلَهُ أثناء عمله وقالت له:
-خذ هذا معك يا عزيزي حتى لا تعود بالعَدُوِّ معك إلى المنزل، وكن حذرا!
وضع أمين المعقم في جيبه، ثم خرج من البيت مودعا زوجته وتاركا عصافيره الصغيرة نائمة وقاصدا عمله.
حالة الطوارئ مازالت قائمة ويجب عليه رفقة الدورية أن يحرصوا على التزام المواطنين بالحجر الصحي الإجباري.
مضى نصف اليوم وأمين يجوب رفقة مكونات السلطة شوارع وأزقة المدينة، يتعجب أمين لحال بعض الناس، وكأنهم لا يخشون الوباء بقدر ما يخشون دورية الشرطة التي تمر بجانبهم، فيدخلون بيوتهم منتظرين عبروها ليعودوا إلى حالهم.
ولجت دورية الشرطة أحد الأحياء الشعبية، فإذا بالحي لا يعرف شيئا اسمه حالة طوارئ ولا حجرا صحيا فالناس خارجون، والأطفال يجرون ويلعبون، والشيوخ جالسون تحت أشعة الشمس يفرفشون، نظر أمين نظرة تأسف على فيروس أخطر من فيروس كورونا ألا وهو فيروس الجهل، تحسر في نفسه كثيرا وما تحسره إلا عليهم قبل كل شيء.
أعطى الضابط أوامره بتطبيق القانون مع كل من يخالف الأوامر، فقامت قيامة كبرى في ذلك الحي، توجه أمين نحو مجموعة من الشباب المتجمعين وما في نفسه إلا أن يرعبهم كي يهربوا من هناك ويلزموا بيوتهم، فإذا بسكولوجية الجماهير تثور عليه لمّا رأته منعزلا، فاتجهوا نحوه محملين بالعصي والحجارة، انبهر بذلك المنظر فتوقف، وحاول أن يقنعهم بأنه ليس عدوا لهم ولا هم أعداء له حتى يحاربهم، ولكنهم قاطعوا كلامه بضربة واحدة على رأسه سقط أمين على إثرها طريحا في حربٍ ضد عدوين ؛ كورونا والجهل…

1 Comment

اترك رد