في يوم ميلادي الأربعون… لا زلنا مستعمرون

 

موند بريس : الكاتب الفلسطيني : الدكتور يوسف سعيد البردويل

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

اليوم وبكرم الله والذي جل وعلا يحمد على كل شئ أكملت أربعون عاما رأيت فيها ما لا يقبله عقل ولا يتحمله قلب رأيت جنازة والدي عبر صفحات الفيس بوك ولم أشارك في دفنه بفضل تأشيرة دخول حرمتني من دخول وطني ودفن والدي وعرفت حينها أن وطننا العربي لا زال مستعمرا بفعل تلك الحدود وتلك التأشيرة الملعونة ، رأيت الشهيد صدام حسين يعدم ظلما وبهتانا في يوم عيد الأمة الأسلامية وعلى مرأى أكثر من مليار مسلم ولم يحركوا ساكنا وحينها تيقنت بأننا لا زلنا مستعمرون ، شاهدت شعوبا تحرق أوطانها بمخططات صهيو أمريكية ثم تتغنى بدمار وحرق وسلب ونهب كل مقدرات مجتمعاتها وحينها تأكدت بأن وطننا العربي لا زال دمية تحركها قوي إمبريالية صهيونية وأننا لازلنا مستعمرون ، رأيت تونس الخضراء وسرعان ما رأيتها تحترق بأيدي التونسيين ، رأيت ليبيا القدافي الغنية القومية ليبيا بلد النفط تشكو العوز والفقر ليبيا بلد السلم أصبحت بؤرة القتل والإرهاب ،ثم رأيت مراهقا يطلق النار علي الدكتاتور “رحمه الله” ليرثه ألف دكتاتور لعنهم الله ، ولا زالت تعاني الصراع الأخوي المسلح بمعدات عسكرية وأوامر غربية تؤكد أننا لا زلنا مستعمرون، اربعون عاما رأيت فيها السودان سلة الوطن العربي الغذائية مقسمة لدولتين وكلاهما يشكو الفقر والجوع والقتال المستمر ، فعرفت حينها أننا لا نستحق خصوبة تربة السودان ولا نفطها ، رأيت فلسطين تعاني إحتلالين أحدهما إسرائيلي والأخر فلسطيني فلسطيني ، ففلسطين التي لم تكتمل بأركانها تشكيل دولة أصبحت بحكومتين حكومة ربانية لا علاقة لها بالاسلام وحكومة وطنية لا علاقة لها بالوطنية ، رأيت فلسطين مقسمة جغرافيا وممزقة إجتماعيا وتقتلها الحزبية الحمقاء وحينها تيقنت بأن تحرير فلسطين لازال بعيدا ، رأيت ثورات قامت كما قالوا ويقولون على الدكتاتورية والفقر والبطالة والفساد ولكنها لم تأتي إلا بمزيد من الدكتاتورية وإرتفاع في مستوى الفقر والبطالة وإنتشار الفوضى والسرقة ورأيت الربيع بلون الدخان والدماء والعوز والقهر ربيع عربي لم يتجاوز كونه أحد أدوات القوة الناعمة التي إستبدلتها الإدارة الأمريكية في بقاء إستعمارها للوطن العرب وتيقنت وقتها أننا لا زلنا مستعمرون، ولعل أصعب ما رأيت وأدمي عيني هو أنني رأيت بيت مال المسلمين يسرقه أمينه في وضح النهار وأمام مرأى الجميع ليعطيه لرأس الشيطان “أمريكا” وبيوت المسلمين فارغة من الخبز ، رأيت شبابا يتهافت على حركات متطرفة ألصقت نفسها بديننا الحنيف فعرفت حينها أن علماء وفقهاء المسلمين لا زالو غارقون في الإفتاء حول “دم الحائض” هل ينقض الوضوء أم لا وتركوا شبابنا دون توعية وتركوا تلك الشرذمة القاعدية والداعشية وغيرها تسيء للإسلام فتيقنت وقتها أن إسلامنا مازال مستعمرا ووأن دعاتنا ماهم إلا دعاة على أبواب جهنم ، أربعون عاما وكل عام أشاهد القواعد الأمريكية والجنود الأمريكان ينتشرون على الأراضي العربية حماية للعرب من إخوانهم العرب فعلمت وقتها لما وضعوا الحدود والتأشيرة ، رأيت مؤخرا سوريا من يحارب فيها الغرب ومن يسعى للسلم الغرب ومن يفاوض بين الأخوة الأعداء الغرب ومن يضع دستورها الجديد رمز سيادتها الداخلية الغرب وجامعة دولنا العربية لا زالت تشجب وتستنكر وحينها تأكدت أن ما يحدث في سوريا هي تصفية حسابات عربية غربية إيرانية ، رأيت الطائرات الحربية الإسرائيلية تهبط في القواعد الأمريكية في الخليج لتملىء خزاناتها بالوقود العربي لتعود وتقصف الأبرياء في غزة حقا لا زلنا مستعمرون ، رأيت الكثير الكثير الذي يبكي العين ويدمي القلب رأيت كيف لعروبتنا تركض وراء مستعمرنا وتبحث عن رضاه ولن تناله رأيت الخلافات العربية العربية تمزق الوطن العربي وتحرقه ،،،

ولكن لا زلت أؤؤمن بأن الوقت لا زال كافيا لنعيد حساباتنا ونتخلص من خلافاتنا ونعي جيدا أن ماضينا صبغ باللون الأسود كل مظاهر حياتنا وأن حاضرنا لا زال مبني على خصوصياتنا وأطماعنا الشخصية فكل رموز أوطاننا يبحث عن دور قيادي ليصبح الناطق الرسمي أمام أعداؤنا لينال رضاهم ويلتقط الصور برفقتهم في مؤتمرات دعمنا وإعادة بناء أوطاننا بعدما هدموها ودمروها بأيدينا ، ولكنني وبرغم كل ما ذكرت لا زلت أؤؤمن بأن المستقبل يحمل الأجمل والأفضل ولكن حينما نقرر بإرادتنا لفظ كل خلافاتنا والتعالي على جراحاتنا ومحاسبة ضمائرنا ، ولكن تبقى الحقيقة الواقعية والموضوعية هو أنه في يوم ميلادي الأربعون لا زلنا مستعمرون .

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد