موند بريس : بقلم الدكتور يونس الصبار
تقييم السياسات العمومية في ظل دستور 2011
سنتطرق في هذا المقال إلى مستجدات دستور 2011 بخصوص دور البرلمان في تقييم السياسات العمومية (أولا )، وكذا إلى حدود ومتطلبات هذا التقييم(ثانيا) .
أولا: التكريس الدستوري لدور البرلمان في تقييم السياسات العمومية
بما أن الدور الرقابي للبرلمان عرف قصور و مكامن ضعف من خلال ما كان مكرسا في دستور 1996،بحيث أن الرقابة على السياسات العمومية لوحدها غير كافية، فقد تم تدارك ذلك من خلال التعديل الدستوري الذي عرفه المغرب سنة2011، حيث وسعت الوثيقة الدستورية من مجال القانون ، بحيث أصبح البرلمان مكلفا بالتشريع في مجالات أكبر من السابق ، و هو ما يعني تعزيز إمكانية تأثيره القانون على دائرة السياسات العمومية، كما عملت على تقوية مهمته الرقابية عبر تتمين وظيفة المعارضة و تيسير إمكانيات اللجوء إلى الآليات الرقابية الأكثر قوة.
فالفصل 70 من دستور 2011، نص في فقرته الثانية على أن البرلمان ،”يصوت على القوانين و يراقب عمل الحكومة، و يقيم السياسات العمومية “[]، فلم تعد مسؤوليته من أجل التوقيع البرلماني على النصوص ، و لا مسؤولية مناقشة السياسات العمومية لما يتم تحضيره من مشاريع و مخططات من قبل الحكومة، بل أضحت وفق. مقتضيات دستور 2011 مسؤولية أساسية
فعلى مستوى العلاقة بين المؤسسة التشريعية و السياسات العمومية ، فالبرلمان فضلا عن مهمتي التشريع و المراقبة أصبح مكلفا بمهمة تقييم السياسات العمومية]، بحيث أصبح يستأثر بآليات مختلفة تتجه نحو حصوله على معلومات تسلط الضوء على العمل الحكومي، و مراقبته و تقييمه، و بهذا الصدد نص الفصل 101 من دستور 2011 على أنه : “يعرض رئيس الحكومة أمام البرلمان الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة إما بمبادرة منه، أو بطلب من ثلث أعضاء النواب، أو من أغلبية أعضاء مجلس المستشارين ، كما تخصص جلسة سنوية من قبل البرلمان لمناقشة السياسات العمومية و تقييمها”] ، و الفصل 100 ينص في فقرته الثالثة على أنه: ” تقدم الأجوبة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة من قبل رئيس الحكومة وتخصص لهذه الأسئلة جلسة واحدة كل شهر، و تقدم الأجوبة عنها أمام المجلس الذي يعنيه الأمر خلال الثلاثين يوما الموالية لإحالة الأسئلة على رئيس الحكومة.
إذا كان الدستور قد دعا البرلمان لتخصيص جلسة سنوية لتقييم السياسات العمومية، فإن القانون الداخلي لمجلس النواب كما تم إقراره يوم 12 يناير2012 قد وسع من تأويل هذا الاختصاص المتعلق بالتقييم، حيث جعل من صلاحية اللجان الدائمة لمجلس النواب أن تخصص اجتماعات لتقييم السياسات العمومية للقطاعات التي تدخل ضمن اختصاصات (الفصل 48 من القانون الداخلي )، لكن المجلس الدستوري في قراره رقم 829-12 [] ، اعتبر أن هذه الصلاحية الممنوحة للجان مخالفة للدستور، على اعتبار أن قراءة الفصل (101) يستفاد منه أن مناقشة و تقييم السياسات العمومية يتم من قبل مجلسي البرلمان في جلسات عمومية تعقد في نفس الفترة و ليس في نطاق اللجان البرلمانية الدائمة[].
من أجل متابعة الأداء الحكومي و تقييمه، على أعضاء مجلسي البرلمان من نواب ومستشارين لأن يدلوا بأسئلتهم الشفوية ، فإذا تعلق السؤال بالسياسة العمومية للحكومة فإن رئيس الحكومة هو الذي يجيب[] ، و تخصص بالأسبقية جلسة في كل أسبوع لأسئلة أعضاء مجلسي البرلمان و أجوبة الحكومة، أما إذا كان السؤال قطاعيا فإن الوزير المسؤول عن القطاع هو الذي يجيب .
بالإضافة إلى ما سبق فقد تم تقوية المهمة الرقابية للبرلمان عبر تيسير إمكانيات اللجوء إلى الآليات الرقابية الأكثر قوة[] ، و هي ( اللجان النيابية لتقصي الحقائق ) ، حيث تنص المادة 67 من الدستور في الفقرة الثانية على أنه :”يجوز أن تشكل بمبادرة من الملك، أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب ، أو ثلث أعضاء مجلس المستشارين ، لجان نيابية لتقصي الحقائق ، يناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة ، أو بتدبير المصالح أو المؤسسات و المقاولات العمومية ، و إطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج أعمالها”. []
فهذه اللجان يستعين بها البرلمانيون من أجل تجميع المعلومات اللازمة عن مختلف القطاعات الوزارية ، أو الوصول إلى وقائع معينة، أو بالوقوف على طرق تسيير المرافق العمومية، وعلى أساليب استعمالها للمال العام، لذلك فتجميع المعطيات حول السياسات العمومية، يشكل المرحلة الأولى في تقييم السياسات العمومية ،فحق البرلمان في تقصي الحقائق ينبع من فكره مفادها، أن على الحكومة تنوير البرلمان حول كل الوقائع التي ادعت اتخاذ التدابير من طرفها
بعدما يحصل البرلمانيون على المعلومات النهائية من جراء إفراز قانون مالية السنة بعد تنفيذه عن طريق المساءلة على نتائج التنفيذ، وحسب المادة 47 من القانون التنظيمي لقانون المالية[]، فقد حددت توقيت تقديم قانون التصفية للبرلمان، حيث جاء في الفقرة الثانية من نفس المادة بأنه يجب أن يودع مشروع قانون التصفية بمكتب أحد مجلسي البرلمان في نهاية السنة الثانية الموالية لسنة تنفيذ قانون المالية على أبعد تقدير].
كما أصبح البرلمان بإمكانه اللجوء إلى مساعدة المجلس الأعلى للحسابات في مجالات مراقبة المالية العامة ولتقديم الأجوبة والاستشارات المرتبطة بوظائف التشريع والمراقبة والتقييم المتعلقة بالمالية[]، حيث نص دستور 2011 في الفقرة الأولى من الفصل 148 : ” يقدم المجلس الأعلى للحسابات مساعدته للبرلمان في المجالات المتعلقة بمراقبة المالية العامة، ويجيب عن الأسئلة والاستشارات المرتبطة بوظائف البرلمان في التشريع والمراقبة والتقييم المتعلقة بالمالية”[]، وعليه يكون المشرع قد كرس إلزامية المجلس الأعلى للحسابات بالتفاعل مع البرلمان في جميع المجالات المتعلقة بمراقبة المال العام، والرد على أسئلة واستشارات البرلمان، من خلال الوظيفة القضائية للمجلس الأعلى، أصبح ملزما بنشر أحكامه القضائية ، كذلك يقوم بحسب الفقرة الأخيرة من المادة 148 من الدستور التي تنص على أنه: “يقدم الرئيس الأول للمجلس عرضا عن أعمال المجلس الأعلى للحسابات أمام البرلمان، ويكون متبوعا بالمناقشة”]
فالمجلس الأعلى للحسابات كانت تعهد إليه المراقبة فقط في ثلاث مجالات :
– مراقبة تسيير مرافق الدولة والجماعات الترابية وتجمعاتها والهيئات العمومية.
– مراقبة توظيف الأموال العامة المسيرة من قبل الهيئات المدعمة.
– مراقبة استخدام الأموال التي تم جمعها عن طريق الإحسان العمومي.[]
حيث كان يحظى المجلس الأعلى بالمراقبة فقط على المالية العامة، لكن ومع التعديل الدستوري لسنة 2011 ، فقد أصبح يضطلع بكل الأدوار الموكولة إليه، كدوره في تقييم السياسات العمومية ، كما عليه أن يرتقي من مجرد مؤسسة تقوم عمليا بالتفتيش وجزئيا بالتدقيق، إلى مؤسسة تضطلع بعملية تقييم البرامج والسياسات العمومية، وهنا يجب دعم عملية التدقيق في المشاريع بالتقييم، وذلك بالتنسيق والتعاون مع البرلمان[] ، كما يجب الانتقال من تدقيق مطابقة التدبير للقوانين إلى تدقيق عمل الأجهزة ومدى مطابقتها لحسن التدبير وتقييم فعالية النتائج وتقدير آثارها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وغيرها.
دائما في إطار مسلسل تدعيم دور البرلمان في تقييم السياسات العمومية هناك آلية أخرى مساعدة تقوم بدور استشاري، يتمثل في المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حيث ينص الفصل 152 من الدستور على أنه: ” للحكومة ولمجلس النواب والمستشارين أن يستشيروا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في جميع القضايا، التي لها طابع اقتصادي واجتماعي وبيئي”[]، وبالتالي يمكن لهذه الاستشارات أن تنير الطريق أمام البرلمان لتتبع وتقييم السياسات العمومية التي تنجزها الحكومة.
لكن بالرغم من التكريس الدستوري لهذا التقييم ، فإنه تعترضه مجموعة من الحدود ، والتي تستدعي مجموعة من الحلول والإقتراحات لجعل عملية التقييم أكثر فعالية .
ثانيا : حدود ومتطلبات التقييم
إن دسترة تقييم السياسات العمومية من طرف نواب الأمة خطوة مهمة في اتجاه نجاح السياسات العمومية ، وتحقيقها للأهداف التي سطرت لها، إلا أن عملية التقييم تبقى محكومة بمجموعة من الحدود، التي تحد من فعاليته، مما يتطلب اتخاذ مجموعة من الإجراءات والحلول الكفيلة بجعل البرلمان يقوم بمهمة التقييم على أحسن وجه.
الحدود:
لقد أدركت الحكومات على تباين أنظمتها السياسية ، واتجاهاتها الفكرية أنها بحاجة إلى دعم ومساندة شعوبها، لما تتخذه من قرارات، لذلك فتقييم السياسات العمومية في مختلف الأنظمة السياسة تؤكد أن أغلبها لا تحقق الأغراض المتوخاة منها ، ولا تنتج الآثار الموجودة منها، وهذا راجع لعدة أسباب تمثل في ما يلي :
– عادة يثار مفهوم التقييم كجزء من مقتضيات قانونية أكثر شساعة تسعى إلى جعله مشابها لتقنية مراقبة العمل الإداري، وهكذا يذوب المفهوم في النصوص القانونية المتعلقة بالمراقبة الداخلية والخارجية.
– غياب معيار تصوري للمنهج التقييمي، وبالتالي فحقل تطبيقه لا يغطي أبدا كافة الجوانب المتعلقة بسياسة عمومية، فنادرا ما تكون سياسات عمومية موضوع التقييم بكل ما للكلمة من معنى.
– تنوع هيئات المراقبة والتقييم وغياب التنسيق فيما بينها، وابرز مثال على ذلك العلاقة بين المفتشية العامة لوزارة المالية والمجلس الأعلى للحسابات، على اعتبار أن هاتين الهيئتين تبقيان الأكثر استعدادا لتشجيع ثقافة التقييم في الإدارة فهما تتداخلان في الاختصاصات في ميدان المراقبة التقليدية .
– غياب إطار قانوني واضح ومنسجم يفرض ممارسة التقييم.
– غياب ميكانيزمات للربط والتفاعل بين مختلف الوحدات الوزارية.
– هيمنة الجهاز التنفيذي في علاقته مع البرلمان، أمام غياب قدرات مستقلة في الخبرة والتحليل، فإن هذه الهيمنة للجهاز التنفيذي تصبح مضاعفة بفعل التبعية التامة للبرلمان في ميدان الوصول إلى المعلومة الضرورية قصد ممارسة اختصاصاته[].
– إضافة إلى مجموعة من الحدود المرتبطة بالمستوى التعليمي والثقافي لمستشاري الأمة.
وأمام هذه الحدود والمعيقات التي تجعل من مهمة التقييم مهمة ليست باليسيرة ، وتجعل من دور البرلمان في مجال التقييم دور محدود للغاية، فما هي أهم الحلول والاقتراحات التي من شأنها جعل عملية تقييم السياسات العمومية أكثر فعالية
الحلول :
إن معرفة الأسباب الحقيقية الكامنة وراء المشكلة العمومية، يسهل معها اختيار الحل المناسب لمعالجتها كما قيل قديما ، وأمام الحدود والمعيقات السالفة الذكر لابد من تبني إستراتيجية واضحة و دقيقة للتقييم تقوم على مجموعة من الأسس كالآتي :
– تدعيم الوصول إلى المعلومة الاقتصادية وتدعيم دور البرلمان في العملية التقييمية ، على غرار ما هو معمول به في الدول المتقدمة.
– الاعتماد على التدبير الجيد للميزانية من خلال ترشيد النفقات والتحكم فيها [] ، والمرور من منطق ميزانية الوسائل إلى ميزانية النتائج ، والمقصود بترشيد الإنفاق العام هو أن تحقق النفقات العمومية الأهداف المحددة ، و ذلك باستخدامها على أحسن وجه ممكن ، والحيلولة دون إساءة استعمالها أو تبذيرها في غير أغراض المنفعة العمومية[
– وضع نظام إعلامي عمومي من شأنه أن يمكن من تقييم المعطيات المتوفرة، ورصد مكامن الخلل وتجميع المعلومات المنتجة من طرف الإدارة ، وكذا المعلومات التي هي في طور الإنتاج في المركز ، والمجهودات المبذولة حاليا من أجل التوفر على ابناك معلومات غير كافية بالنظر إلى أهمية المعلومات في مجال التقييم والتي من شأنها أن تتيح لنا الاستشراف.
– ضرورة توفر كل سياسة عمومية على أهداف محددة وغير عامة ، من أجل تسهيل عملية التقييم، والتي من شأنها أن تتيح لنا الاستشراف ، هذا رغم ما تقوم به بعض الوزارات في هذا الشأن، الشيء الذي يتطلب المزيد من التشجيع . – كما هو معروف فإن تقييم السياساتالعمومية ما يعني الوقوف على ضرورتها وفعاليتها وآثارها ، من خلال تجميع وتصنيف عدد من المعايير والمؤشرات التي يتشكل منها التقييم، وفي هذا الصدد فان نشر الممارسات التقييمية داخل الإدارة يحفز على التحلي بأكبر قدر ممكن من الدقة في تحديد الأهداف المراد تحقيقها من خلال النشاط العمومي .
-إحداث قطب مستقل عن الجهاز التنفيذي وتابع للمجلس الأعلى للحسابات ، يكون في خدمة البرلمان من أجل تحفيز الطلب على التقييم.
-إحداث هيئة برلمانية لتقييم المبادرات العمومية ، وذلك بمقتضى تشريعي .
– أن يكون هناك انسجام بين مختلف الأهداف التي رسمتها هذه السياسة .
– ضرورة الاستفادة من اللامركزية التي تعيد توزيع البنيات، و يجب أن يحتل التقييم ضمنها مكانة متصاعدة عن طريق بث ثقافة النتائج في الزمان والمكان وثقافة الأجرأة
قم بكتابة اول تعليق