موند بريس / متابعة: ذ. محمد أيت المودن
من مؤسسة الشيخ زايد إلى مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، وصولاً إلى المسؤولية الحكومية.. تعيين يفتح النقاش حول الشفافية والفصل بين التدبير الصحي والسلطة التنظيمية
لم يكن تعيين البروفيسور يونس بجيجو وزيراً للصحة والحماية الاجتماعية مجرد انتقال لأستاذ جامعي وطبيب متخصص إلى المسؤولية الحكومية، بل أعاد إلى الواجهة النقاش حول معايير اختيار المسؤولين في القطاعات الاستراتيجية، وحدود العلاقة بين المسارات المهنية داخل المؤسسات الصحية الكبرى وممارسة السلطة العمومية.
فقد وصل الوزير الجديد إلى الحكومة ضمن الحصة المخصصة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في وقت لا تكشف فيه المعطيات المهنية المتداولة عن مسار حزبي بارز أو مسؤوليات تنظيمية سابقة داخل الحزب. وفي المقابل، يمتد مساره المهني عبر مؤسسات جامعية واستشفائية كبرى، تولى داخلها مناصب إدارية عليا، قبل أن ينتقل إلى قيادة القطاع الحكومي المكلف بوضع السياسة الصحية وتنظيم المؤسسات العاملة فيه.
ويثير هذا الانتقال أسئلة تتعلق بالشفافية وتدبير المصالح، خصوصاً أن الوزارة تشرف على قطاع تتداخل فيه المؤسسات العمومية والخاصة، والاستثمارات الاستشفائية، والتكوين الطبي، وشركات الأدوية والتجهيزات والخدمات الصحية. غير أن طرح هذه الأسئلة لا يعني، في حد ذاته، ثبوت وجود تضارب مصالح أو مخالفة قانونية، بقدر ما يسلط الضوء على ضرورة توفير ضمانات واضحة للاستقلالية والحياد.
تعيين سياسي ومسار مهني غير تقليدي
أُدرج اسم يونس بجيجو ضمن التشكيلة الحكومية في إطار الحصة السياسية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، دون أن يكون معروفاً على نطاق واسع بصفته فاعلاً حزبياً أو منتخباً أو مسؤولاً تنظيمياً داخل هياكل الحزب.
وبينما قدمته بعض التغطيات الإعلامية باعتباره شخصية محسوبة على الاتحاد الاشتراكي، تحدثت تقارير أخرى عن عدم انتمائه التنظيمي إليه. وتبقى هذه المعطيات بحاجة إلى توضيح رسمي يحسم طبيعة علاقته بالحزب، وما إذا كان الأمر يتعلق بعضوية فعلية أم باختيار سياسي في إطار توزيع الحقائب الحكومية.
في المقابل، تكشف سيرته المهنية عن مسار أكاديمي وإداري امتد لسنوات داخل مؤسسات للتعليم العالي والبحث العلمي والعلاج، قبل أن يصل إلى المسؤولية الحكومية. وهو ما يجعل تقييم تعيينه مرتبطاً، ليس فقط بكفاءته الطبية والتدبيرية، بل أيضاً بمدى وضوح معايير الاختيار والضمانات المعتمدة لتفادي تضارب المصالح.
من الجامعة إلى مؤسسة الشيخ زايد
وُلد يونس بجيجو سنة 1971 بمدينة تازة، وتخصص في أمراض النساء والتوليد، قبل أن يلتحق بالتدريس الجامعي بكلية الطب والصيدلة بالرباط، حيث راكم تجربة أكاديمية وبحثية في مجالات مرتبطة بالتشريح والجراحة التجريبية.
وانتقل لاحقاً إلى جامعة الزهراوي الدولية لعلوم الصحة، التي شغل فيها منصب نائب الرئيس المكلف بالشؤون الأكاديمية خلال الفترة الممتدة من 2016 إلى 2022.
وفي شتنبر 2022، تولى منصب المدير المنتدب لمؤسسة الشيخ زايد بالرباط، وهي مؤسسة يرأس مجلس إدارتها محمد منير الماجدي، مدير الكتابة الخاصة للملك محمد السادس.
ويشكل هذا المنصب محطة بارزة في مساره، بالنظر إلى حجم المؤسسة وتعدد أنشطتها الطبية والاستشفائية والتكوينية. غير أن العلاقة المهنية والمؤسساتية التي جمعته بالمؤسسة التي يرأس مجلس إدارتها الماجدي لا تكفي، في حد ذاتها، للاستنتاج بوجود علاقة شخصية أو اعتبارها سبباً في تعيينه وزيراً.
وتعود نشأة مؤسسة الشيخ زايد إلى سنة 1993، حين أُحدثت بموجب ظهير شريف، مستفيدة من هبة إماراتية قُدرت بنحو 50 مليون دولار، وفق المعطيات الواردة في النصوص التعريفية المنشورة عنها. ومنذ ذلك الحين، توسعت أنشطتها لتشمل العلاج والتكوين الطبي والبحث العلمي ومجالات أخرى مرتبطة بالمنظومة الصحية.
مؤسسة غير ربحية بإيرادات واسعة
تطرح الطبيعة القانونية والاقتصادية لمؤسسة الشيخ زايد جانباً آخر من النقاش. فحصولها على صفة المنفعة العامة وطابعها غير الربحي لا يعنيان بالضرورة تقديم خدمات مجانية، إذ يمكن للمؤسسات من هذا النوع أن تحقق مداخيل من أنشطتها، وأن تعيد استثمار الفوائض في تطوير خدماتها وتجهيزاتها، وفق القواعد المنظمة لها.
وتشير أرقام متداولة إلى ارتفاع رقم معاملات المؤسسة من نحو 31.4 مليون درهم سنة 2003 إلى حوالي 631.4 مليون درهم سنة 2016، أي ما يقارب عشرين ضعفاً خلال ثلاثة عشر عاماً.
لكن هذه الأرقام، رغم دلالتها على تطور حجم النشاط، لا تكفي وحدها لتحديد مستوى الربحية أو حجم الفوائض المالية، كما تستدعي مطابقتها مع القوائم المالية المدققة وتحديد طبيعة المؤشرات المحاسبية المعتمدة.
ولا يقتصر نشاط المنظومة المرتبطة بالمؤسسة على تقديم الخدمات الاستشفائية، بل يمتد، وفق المعطيات الواردة، إلى شركات تنشط في مجالات الخدمات الصحية والأشغال والتجهيزات الطبية وتوزيع الأدوية والمستلزمات الطبية، من بينها الشركة الإفريقية للخدمات الصحية «SA2S»، وشركتا «SA2S Travaux» و«SA2S Métiers»، إضافة إلى «Afric-Med Distribution».
وتشير البيانات التجارية المتاحة إلى أن رؤوس الأموال المسجلة لأربع شركات من هذه المنظومة تبلغ مجتمعة نحو 4.1 ملايين درهم. غير أن رأس المال المسجل لا يمثل معياراً كافياً لتحديد حجم النشاط الاقتصادي أو الأصول أو المعاملات الفعلية لهذه الشركات.
ومن ثم، فإن فهم الوزن الاقتصادي لهذه المنظومة يتطلب الاطلاع على بيانات مالية وتجارية أكثر تفصيلاً، دون الخلط بين طبيعة المؤسسة الأم ووضع الشركات المرتبطة بها قانونياً واقتصادياً.
محطة ثانية داخل مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة
في يوليوز 2023، انتقل بجيجو إلى منصب المدير المنتدب لمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، التي تنشط بدورها في مجالات الاستشفاء والتكوين والبحث العلمي، وتتمتع بصفة المنفعة العامة والاستقلال المالي والطابع غير الربحي وفق المعطيات الواردة بشأنها.
وتشرف المؤسسة على مشاريع صحية وجامعية كبرى، من بينها المستشفى الجامعي الدولي محمد السادس بالرباط، الذي افتُتح سنة 2025، إلى جانب جامعة محمد السادس للعلوم والصحة.
وقد وضع هذا المنصب بجيجو ضمن القيادة الإدارية للمؤسسة المشرفة على المشروع، دون أن يعني ذلك أنه كان المدير العام المباشر للمستشفى نفسه.
وتورد المعطيات المتعلقة بالمشروع كلفة بناء تقدر بنحو 450 مليون يورو، أي ما يقارب 4.9 مليارات درهم. وتظل هذه القيمة بحاجة إلى تحديد دقيق لنطاقها، إذ لا تعني بالضرورة أنها تمثل الكلفة النهائية الشاملة للبناء والتجهيز والتشغيل.
ويكشف هذا المسار عن انتقال متدرج من المسؤولية الأكاديمية إلى التدبير التنفيذي داخل مؤسسات صحية كبرى، قبل الوصول إلى موقع حكومي يتيح الإشراف على السياسة الصحية الوطنية، بما تتضمنه من قرارات تنظيمية واستراتيجية ذات أثر على القطاعين العام والخاص.
حين ينتقل مسؤول من التدبير الصحي إلى سلطة التنظيم
تكمن النقطة الأكثر حساسية في تعيين بجيجو في طبيعة الاختصاصات التي أصبحت بين يديه. فوزارة الصحة والحماية الاجتماعية تضطلع بإعداد وتنفيذ السياسات الصحية، والإشراف على إصلاح المنظومة الاستشفائية العمومية، وتنظيم عدد من الأنشطة الصحية، والمساهمة في تحديد شروط الترخيص والمراقبة، وفق الاختصاصات التي يحددها القانون.
وفي المقابل، تنشط المؤسسات التي سبق للوزير أن تولى فيها مسؤوليات إدارية في مجالات العلاج والتكوين الطبي والبحث العلمي، كما ترتبط بعض المنظومات الصحية بشركات متخصصة في التجهيزات والأدوية والخدمات.
وتشير المعطيات الواردة إلى وجود عقود منشورة باسم شركة «SA2S» في مجال التجهيزات الطبية لفائدة مؤسسات صحية عمومية. غير أن وجود هذه العقود، في حد ذاته، لا يثبت وقوع مخالفة أو حصول استفادة غير مشروعة، كما لا يسمح بإسناد أي مسؤولية شخصية إلى الوزير من دون أدلة محددة.
لكن تقاطع المصالح المهنية السابقة مع الاختصاصات التنظيمية الجديدة يجعل الإفصاح عن الوضعية الحالية للمسؤوليات والارتباطات المهنية أمراً أساسياً لتعزيز الثقة في تدبير القطاع.
وفي هذا السياق، تبرز أسئلة مشروعة: هل أنهى الوزير جميع مهامه السابقة بصورة نهائية؟ وهل يحتفظ بعضوية في مجالس إدارة أو بمصالح مالية أو بروابط تعاقدية مع مؤسسات أو شركات تنشط في القطاع الصحي؟ وما التدابير المعتمدة لمنعه من المشاركة في القرارات التي قد تمس جهات سبق أن تولى مسؤوليات داخلها؟
كما تكتسي مسألة الصفقات العمومية أهمية خاصة، من حيث ضمان تكافؤ الفرص بين الشركات، وشفافية معايير الاختيار، واستقلالية أجهزة الرقابة، ونشر المعلومات التي تسمح بتتبع القرارات ذات الأثر المالي والتنظيمي.
ولا يمكن الجزم بوجود تضارب مصالح فعلي استناداً إلى المسار المهني وحده، لكن الوقاية من هذا الاحتمال تقتضي الإفصاح عن المصالح ذات الصلة، واحترام قواعد التصريح بالممتلكات والمصالح حيثما انطبقت، والتنحي عن القرارات التي تستوجب ذلك قانوناً، مع إخضاع التدبير لآليات رقابة مستقلة وفعالة.
الشفافية معيار أساسي لنجاح الإصلاح الصحي
يأتي تعيين يونس بجيجو في سياق تتزايد فيه انتظارات المواطنين بشأن جودة الخدمات الصحية، وتقليص آجال العلاج، وتحسين ظروف الاستقبال داخل المستشفيات العمومية، وضمان توزيع أكثر عدالة للموارد البشرية والتجهيزات.
وفي ظل هذه التحديات، لن يكون الحكم على أداء الوزير مرتبطاً بمساره الأكاديمي والإداري وحده، بل بقدرته على تحويل الخبرة التي راكمها إلى نتائج ملموسة لفائدة المواطنين، مع ضمان الفصل الواضح بين المسؤولية العمومية وأي مصالح مهنية أو اقتصادية محتملة.
كما أن تقديم توضيحات دقيقة بشأن طبيعة انتمائه الحزبي، ووضعية مسؤولياته السابقة، وأي ارتباطات مالية أو إدارية ما تزال قائمة، من شأنه أن يضع النقاش في إطاره المؤسساتي الصحيح، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاتهامات غير المثبتة.
ففي قطاع بحجم الصحة، لا تكفي الكفاءة وحدها لبناء الثقة؛ إذ تظل الشفافية والمساءلة والحياد في اتخاذ القرار شروطاً أساسية لضمان أن تخدم السياسات العمومية المصلحة العامة، وأن تظل المنافسة داخل المنظومة الصحية خاضعة لقواعد واضحة ومتساوية.
قم بكتابة اول تعليق