وقفة تقدير وإجلال لجيل استثنائي من رجال ونساء التعليم بالمغرب

موند بريس / بقلم الدكتور عمر بوتكليفين

أقف اليوم وقفةَ تقديرٍ ووفاءٍ وإجلالٍ لجيلٍ استثنائي من نساء ورجال التعليم بالمغرب؛ جيلٌ وُلد في خمسينيات القرن الماضي، وتكوَّن في ستينياته، واعتلى منصات التدريس منذ سبعينياته. من هذا الجيل من غادر الوظيفة والمناصب، ومنه من غادر الحياةَ برمّتها، سائلين الله عز وجل أن يتغمّدهم بواسع رحمته، وأن يجزيهم خير الجزاء عمّا قدّموه للوطن وللأجيال.
إن هذا الجيل من الأساتذة هو ذاكرةُ التعليم المغربي الحيّة، ومرآةُ تحوّلات الوطن منذ فجر الاستقلال إلى زمن المدرسة الرقمية والذكاء الاصطناعي. جيلٌ عاش المدرسة المغربية وهي تتشكّل لبنةً لبنةً بعد نهاية الاستعمار، حين كان التحدي الأكبر هو بناء مدرسة وطنية مغربية تُعيد الاعتبار للهوية واللغة والقيم، وتفتح أبواب العلم أمام أبناء الشعب في القرى والمدن.
لقد عاش هذا الجيل مرحلةَ ندرة المؤسسات التعليمية، وقلّة الوسائل، وصعوبة الظروف، لكنه آمن بأن التعليم رسالة وطنية قبل أن يكون وظيفة. فدخل الأقسام الطينية، ودرّس في الجبال والبوادي، وتنقّل بين القرى والمسالك الوعرة، حاملاً الطباشير والدفاتر والأمل في مستقبلٍ أفضل لأجيال المغرب.
واكب هذا الجيل مختلف الإصلاحات والتحولات الكبرى التي عرفها التعليم المغربي؛ فعاش مرحلة تعريب المواد وتوسيع التمدرس، وشارك في تجربة التدريس بالأهداف التي سعت إلى تنظيم العملية التعليمية وفق نتائج واضحة ومحددة. ثم انخرط في أوراش تجديد المناهج والبرامج، وواكب صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين باعتباره محطةً مفصليةً في إصلاح المدرسة المغربية.
كما عايش مرحلة الكتاب الأبيض وإعادة بناء المناهج وفق مقاربة الكفايات، حيث تحولت المدرسة من التركيز على الحفظ والتلقين إلى تنمية القدرات والمهارات. ثم جاء عهد بيداغوجيا الإدماج التي حاولت ربط التعلمات بالحياة اليومية والوضعيات المركبة، تلتها مشاريع المخطط الاستعجالي بما حمله من رهانات تحديث البنية التربوية وتحسين جودة التعلمات.
ولم يتوقف عطاؤهم عند ذلك، بل استمروا في مواكبة تنزيل القانون الإطار، والانخراط في برامج مدرسة النجاح، ثم مسايرة التحولات الجديدة التي جاءت بها مدرسة الريادة، بكل ما تتطلبه من تجديد في طرائق التدريس والتقويم والتتبع والدعم التربوي.
لقد كانوا شهودًا على انتقال المدرسة المغربية من السبورة الخشبية والطباشير إلى اللوحات الرقمية والحواسيب والمنصات الإلكترونية. عايشوا زمن الكراريس البسيطة، ثم زمن الموارد الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتأقلموا مع كل مرحلة بروح المسؤولية والإيمان برسالة التعليم.
إنه جيلٌ لم يكن مجرد أساتذة، بل كان أيضًا مربين ومؤطرين وبناةً للإنسان المغربي. فمنهم المفتش الذي جاب المؤسسات من أجل التأطير والتكوين، ومنهم المدير الذي سهر على استقرار المؤسسات رغم قلة الإمكانيات، ومنهم الأستاذ الذي صنع من القسم فضاءً للقيم والانضباط والطموح.
هذا الجيل علّم أطباء ومهندسين وقضاة وأساتذة ومسؤولين، وربّى أجيالًا كاملة على حب الوطن واحترام العلم والعمل والاجتهاد. كانوا يشتغلون بصمت، بعيدًا عن الأضواء، لكن أثرهم ظل راسخًا في ذاكرة المجتمع المغربي.
وإذا كانت المدرسة المغربية قد عرفت نجاحات وإخفاقات، وتحولات وصعوبات، فإن هذا الجيل ظل دائمًا خط الدفاع الأول عن المدرسة المغربية وعن حق أبناء المغاربة في التعلم. تحمّل ضغط الاكتظاظ، وضعف الوسائل، وكثرة الإصلاحات المتلاحقة، ومع ذلك استمر في أداء رسالته بإخلاص وتفانٍ.
إننا اليوم لا نودّع مجرد موظفين يغادرون مقاعد العمل، بل نحيّي مرحلةً كاملةً من تاريخ المغرب التربوي، وننحني احترامًا لنساء ورجال حملوا مشعل التعليم لعقود طويلة، وتركوا بصمتهم في ذاكرة هذا الوطن.

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد