حين يصبح “الطبيعي” مؤذيا: عن تطبيع المعاناة داخل المجتمع

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

في المجتمعات التي تطول فيها الأزمات وتتكرر الضغوط، يتبدل معنى “الطبيعي” بهدوء، حيث يتسلل الاعتياد إلى أكثر الزوايا حساسية في التجربة الإنسانية، ويعيد تشكيل الإدراك الجمعي لما ينبغي احتماله دون اعتراض. وما كان يُنظر إليه بوصفه عبئا استثنائيا يغدو جزءا من الروتين اليومي، وتتحول المعاناة إلى خبرة مألوفة تُروى بنبرة عادية، ويُطلب من الأفراد التكيف معها بوصفها شرطا من شروط النضج الاجتماعي.
وقد كتب إميل دوركهايم أن الوقائع الاجتماعية تمارس سلطة خفية على الأفراد، وهذه السلطة لا تحتاج إلى أوامر صريحة كي تفرض حضورها، يكفي أن تتكرر حتى تكتسب شرعية العادة. لكن حين تتكرر الضغوط الاقتصادية، يتكرر القلق حول المصاريف، ويتكرر الحديث عن الغلاء بوصفه أمرا متوقعا، يبدأ الوعي الجمعي في إعادة تصنيف الألم. يُدرج التعب ضمن مقتضيات المرحلة، يُفهم القلق باعتباره سمة زمن وتُختزل الشكوى في عبارة “الجميع يعيش الأمر نفسه”.
وخلال المواسم الدينية وعلى رأسها شهر رمضان، تتكثف هذه الدينامية. حيث ترتفع أسعار المواد الغذائية، وتتسع الفجوة بين الدخل الثابت ومتطلبات الاستهلاك الموسمي، ويصبح الحديث عن الغلاء جزءا من أحاديث المجالس. ويتعامل كثيرون مع هذا الارتفاع كما لو كان امتدادا طبيعيا للشهر، فتندمج الظاهرة الاقتصادية داخل الطقس الاجتماعي. وحينما يتحول السوق إلى فضاء مثقل بالتوقعات، تغدو المائدة الرمضانية مرآة تقرأ من خلالها الأسرة صورتها أمام محيطها.
فالأكل في شهر رمضان مثلا يكتسب أبعادا تتجاوز الحاجة الجسدية، إذ يغدو حاملا لمعانٍ ثقافية وعاطفية عميقة. الأطباق الشعبية المتعارف عليها تتحول إلى إشارات انتماء، وتغدو وفرة الأصناف مؤشرا يُستدل به على حسن التدبير والالتزام بالتقاليد.
ويوضح بيير بورديو أن أنماط الاستهلاك تعبر عن رأس مال رمزي يحدد المكانة داخل الحقل الاجتماعي. وانطلاقا من هذا المنظور يصبح تحضير أطباق محددة استجابة لتوقع جمعي راسخ يقرأه الآخرون باعتباره دليلا على الاندماج داخل النسق الاجتماعي.
فالأسرة المعسرة تجد نفسها داخل شبكة دقيقة من الضغوط غير المعلنة. والرغبة في الحفاظ على الكرامة الاجتماعية تدفعها إلى مجاراة النموذج السائد حتى وإن كان ذلك يرهق ميزانيتها. ينشأ توتر داخلي بين الإمكانات الفعلية والصورة المتخيلة التي يُفترض تقديمها. هذا التوتر يظل في كثير من الأحيان حبيس الصدور، يُدار بصمت داخل البيت، ويُعاد تنظيمه على شكل تنازلات صغيرة وحسابات دقيقة، بينما تستمر الواجهة الخارجية محافظة على تماسكها.
ونجد ربّ الأسرة يتحمل في هذه اللحظة عبئا مركبا. الدور الاجتماعي للمعيل يرتبط في المخيال الجمعي بالقدرة على الإيفاء بحاجات الأسرة وصون صورتها. لكن حين تتضخم المصاريف الموسمية يتصاعد الإحساس بالمسؤولية، ويصبح التفكير في تفاصيل الإنفاق عملية ذهنية مستمرة. وتشير نظرية التقييم المعرفي للضغط النفسي لدى لازاروس إلى أن إدراك الحدث بوصفه تهديدا للقدرة على أداء الدور يولد استجابات انفعالية متراكمة. حينها يتجسد ذلك في أرق ليلي وفي انشغال دائم بالحسابات، وفي حساسية مفرطة تجاه أي طلب إضافي.
لكن في بعض البيوت تُغطى هذه الضغوط بابتسامة حفاظا على الأجواء الروحية للشهر. غير أن الجسد والنفس يحتفظان بأثر التوتر. فيظهر الإرهاق في نبرة الصوت، وفي سرعة الانفعال، وفي شعور خفي بالذنب حين يعجز المعيل عن تلبية بعض التوقعات. هنا تتشكل معادلة نفسية معقدة تجعل الكرم مرتبطا بالإنفاق، وتجعل قيمة الذات معلقة بقدرتها على مجاراة المعايير السائدة.
وتلجأ بعض الأسر إلى الاستدانة لتخفيف الضغط الآني. وغالبا ما تُؤجل الفواتير أو تُستدان مبالغ مالية، أو يُعاد توزيع المصاريف على أشهر لاحقة. هذا السلوك يبدو حلا عمليا في اللحظة، ويمنح شعورا مؤقتا بالسيطرة. غير أن تراكم الديون بعد انتهاء الموسم يمدد دائرة القلق، ويحول المناسبة إلى بداية ضغط جديد.
و يتكرس نمط من التأقلم يقوم على تأجيل العبء بدل معالجته جذريا، ويصبح هذا النمط مألوفا بمرور الوقت.

ونجد أن الأطفال يلتقطون هذه الإشارات الدقيقة. يلاحظون همسات الكبار حول الأسعار، ويرون الانشغال المستمر بالحسابات، ويشعرون بثقل غير معلن في الأجواء. حينها تتشكل لديهم صورة عن المواسم بوصفها فترات توتر مالي، ويكبر وعيهم المبكر بالمحدودية مقرونا بشعور بالحذر في الطلب. هذه التجربة الروحية للشهر تختلط لديهم بإحساس غير واضح بالضغط.
و هكذا تتضح آلية تطبيع المعاناة في أكثر صورها هدوءا. فلا أحد يعلن أن الغلاء مرغوب، ولا أحد يصرح بأن الضغط النفسي فضيلة، غير أن تكرار الظاهرة وغياب النقاش حول آثارها يجعلانها جزءا من النظام اليومي.
يقول ميشيل فوكو أن السلطة تنتج أنماطا من الحقيقة عبر ما يتكرر ويُعاد قوله، وحين يتكرر وصف الضغوط بأنها اعتيادية يكتسب الألم شرعية الاستمرار.
غير أن إعادة النظر في هذه الدينامية تمنح المجتمع فرصة لإعادة تعريف بعض المعايير المرتبطة بالمواسم. فالكرم قيمة أخلاقية عميقة ويمكن أن يتجسد في البساطة والمشاركة الصادقة بقدر ما يتجسد في الوفرة. فالوعي بهذه الأبعاد يفتح مجالا لتخفيف العبء عن الأسر الهشة، ويعيد للمناسبة بعدها الروحي والإنساني بعيدا عن ضغط التوقعات المتضخمة.
فحين يصبح الطبيعي مؤذيا يفقد الألم وظيفته التحذيرية. ويستمر الضغط بصمت، وتتسع الفجوة بين ما يُعاش وما يُصرح به. فالوعي بهذه الآليات يمثل خطوة أولى نحو تخفيف العبء، ويمنح الفرد مساحة لتسمية ما يعيشه دون شعور بالذنب. والمجتمع الذي يراجع عاداته برفق ويحاور معاييره بوعي يتيح لأفراده أن يعيشوا مواسمهم بروحها دون أن تتحول الطقوس إلى مصدر استنزاف نفسي ومادي.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد