موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
حين تضرب الكوارث المجتمعات، لا تكون آثارها محصورة في الخراب المادي أو الخسائر البشرية، بل تمتد عميقا إلى البنية القيمية، حيث تُختبر الأخلاق خارج الخطاب، ويُقاس التضامن خارج الشعارات. فالفيضان كما الزلزال أو الوباء، لا يكتفي بتغيير ملامح المكان، بل يعيد ترتيب العلاقات بين الناس، ويكشف ما كان مستترا تحت سطح الحياة اليومية.
وما تعرفته مدينة القصر الكبير الآن إبان موجة الفيضانات الحالية، يُجسّد هذا المعنى بوضوح. فبينما انخرطت فئات واسعة من المواطنين في أشكال تلقائية من المساعدة، وبرزت مبادرات إنسانية تستحق التقدير، ظهرت في المقابل ممارسات صادمة، لا تقل خطورة عن الكارثة ذاتها: استغلال الحاجة، المضاربة في الضروريات، وتحويل الألم الجماعي إلى فرصة للربح الفردي.
الكارثة ككاشف لا كاستثناء
من منظور سوسيولوجي لا يمكن اعتبار هذه السلوكيات مجرد انحرافات ظرفية. فالأزمات لا تُنتج أنماطا أخلاقية جديدة، بل تكشف عن منطق اجتماعي قائم سلفا.
فعالم الاجتماع إميل دوركايم كان واضحا حين اعتبر أن الشدائد الجماعية تُظهر مستوى تماسك المجتمع، وتفضح درجة حضور ما سماه “الضمير الجمعي”. فإذا كان هذا الضمير حيّا، تتحول الكارثة إلى لحظة تضامن، وإذا كان هشّا تتحول إلى ساحة تنافس قاسٍ.
وفي مثل هذه الظروف الصعبة لا يظهر تجّار الأزمات فجأة، بل يخرجون من الظلّ. هم أبناء ثقافة تُطَبِّع مع منطق المنفعة، وتُعيد تعريف الذكاء الاجتماعي بوصفه قدرة على اقتناص الفرص، مهما كان ثمنها الإنساني. هنا لا تُعدّ الكارثة مأساة، بل “سوقا طارئة” تُدار بقواعد غير معلنة.
من الضحية إلى الزبون القَسري
أحد أخطر التحولات التي تفرضها الأزمات هو إعادة تعريف موقع المتضرر. فبدل أن يُنظر إليه كإنسان في وضع هشّ يستوجب الحماية، يُعاد اختزاله إلى مستهلك مُكرَه. الماء، الغذاء، الإيواء وحتى وسائل النقل تُسعَّر وفق منطق العرض والطلب، وكأننا أمام ظرف عادي لا حالة طوارئ. هذا ما يجعل الاستغلال أكثر عنفا لأنه يتخفّى خلف شرعية السوق.
ويُفسّر بيير بورديو هذه الدينامية من خلال مفهوم “العنف الرمزي” حيث تُفرض علاقات غير عادلة دون حاجة إلى قوة مباشرة، لأن الضحية نفسها تُجبر على القبول بها بوصفها أمرا واقعا. فالحاجة تُسكت الاحتجاج، والخوف من فقدان البديل يُحوّل الظلم إلى قدر.
السيولة الأخلاقية في زمن الشدّة
ما يحدث في مثل هذه اللحظات لا يمكن فصله عن السياق القيمي العام. فكما يشير زيغمونت باومان أننا نعيش في زمن “السيولة”، حيث تفقد القيم صلابتها، وتصبح الأخلاق خاضعة للحسابات الظرفية. هنا لا يعود السؤال: هل هذا الفعل أخلاقي؟ بل: هل هو مربح؟ وهل يمكن الإفلات من المساءلة؟
وبهذا المعنى يصبح تاجر الأزمة نتاجا طبيعيا لثقافة لا ترى في التضامن التزاما أخلاقيا بل خيارا شخصيا قابلا للتعليق متى تعارض مع المصلحة. والأخطر من هذا كله أن هذه السلوكيات لا تُدان اجتماعيا بالحدة الكافية، بل تُبرَّر أحيانا تحت عناوين الواقعية أو “قانون السوق”.
ازدواجية القيم: خطاب إنساني وممارسة انتهازية
نجد أن المشهد الاجتماعي أثناء الكوارث يتسم بازدواجية لافتة. فمن جهة يُستدعى خطاب التضامن، وتُرفع شعارات التآزر، وتُستحضر القيم الدينية والإنسانية. ومن جهة أخرى تُمارس أفعال تناقض هذا الخطاب تماما. هذا التعايش بين النقيضين لا يُعبّر عن تناقض فردي، بل عن بنية اجتماعية تسمح بالفصل بين ما يُقال وما يُفعل.
وفي مثل هذه البنية لا يشعر تاجر الأزمة بالذنب، لأنه يتحرك داخل فضاء رمادي تغيب فيه الحدود الواضحة بين المشروع وغير المشروع، وبين المقبول والمرفوض أخلاقيا. ومع تكرار الأزمات يتحول هذا السلوك من استثناء إلى نمط متوقع.
المسؤولية المؤسسية وحدود الضبط
لا يمكن اختزال الظاهرة في بعدها الأخلاقي الفردي فقط. فضعف الرقابة، وتأخر التدخلات، وغياب آليات واضحة لضبط الأسعار وحماية المتضررين، كلها عوامل تُغذّي اقتصاد الأزمات. حين تتراجع الدولة أو تتأخر يملأ الفراغ منطق السوق غير المنضبط، وتُترك الفئات الهشّة تحت رحمة الاستغلال.
هنا تتحول الكارثة من حدث طبيعي إلى أزمة ثقة ليس فقط بين الأفراد، بل بين المواطن والمؤسسات. ومع كل تجربة فشل تتآكل فكرة الحماية الجماعية ويترسخ الإحساس بأن النجاة مسألة فردية لا شأن للمجتمع بها.
الأثر الأعمق: تآكل الثقة والذاكرة الاجتماعية
ما يخلّفه تجّار الأزمات يتجاوز الخسائر الآنية. إنه يترك أثرا طويل الأمد في الذاكرة الاجتماعية. فالإنسان الذي يُستغل في لحظة ضعفه، يحمل معه شعورا بالخذلان يصعب محوه. ومع تراكم هذه التجارب تتآكل الثقة، ويصبح التضامن نفسه موضع شك.
وقد أبانت مجموعة من الدراسات السوسيولوجية على أن المجتمعات التي تفقد ثقتها الداخلية تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات اللاحقة حتى لو كانت أقل حدّة. فالكارثة القادمة لا تواجه فقط بضعف الموارد، بل بضعف الروابط.
ما بعد الفيضانات: أي دروس ممكنة؟
حين تنحسر المياه، ويعود الناس إلى ترميم بيوتهم، يبقى السؤال القيمي معلّقا: هل نُعيد التفكير في علاقتنا بالأزمات؟ أم نكتفي بانتظار الكارثة التالية؟ إن إعادة الإعمار الحقيقية لا تقتصر على البنية التحتية، بل تشمل إعادة بناء المعنى، وترسيخ فكرة أن التضامن ليس تفضّلا، بل أساسا للعيش المشترك.
خاتمة
إن تجّار الأزمات ليسوا مجرد أفراد جشعين، بل مرآة لخلل أعمق في النسق القيمي والاجتماعي. وبين مجتمع يرى في الكارثة اختبارا للتكافل، وآخر يحوّلها إلى فرصة استثمار تؤثر سلبا على مستقبل الثقة الاجتماعية.
فالمياه ستجفّ والطرقات ستُرمّم، لكن أثر السلوك الإنساني في زمن الشدّة سيبقى شاهدا على ما نحن عليه فعلا، لا كما نحب أن نراه في المجتمع.
قم بكتابة اول تعليق