هل يتحول التصعيد الأمريكي ضد إيران إلى عمل عسكري ؟

موند بريس.

في ظل التصعيد الأمريكي الراهن ضد إيران، المتمثل في انتشار حاملة الطائرات أبراهام لنكولن، وعدد من المدمرات، يبقى السؤال الأساس الذي يطرحه كل المتتبعين لهذا الفصل الجديد في الصراع الأمريكي الإيراني هل سيقدم الرئيس الأمريكي على توجيه ضربات عسكرية، أم إن الأمر لا يعدو أن يكون تهديد النظام لدفعه إلى تقديم مزيد من التنازلات حول مجموعة من القضايا الخلافية؟.

لا أحد يملك جوابا حاسما، اعتبارا إلى السلوك غير المتوقع الذي يتسم به الرئيس الأمريكي، وإلى سياسة التمويه التي غالبا ما يلتجئ إليها قبل الإقدام على ضربته لمفاجأة خصومه، كما فعل ذلك عندما نفذ هجومه ضد المفاعلات النووية في يونيو الماضي؛ لكن مجموعة من المؤشرات تتجه نحو احتمال توجيه هذه الضربة لتأكيد إصراره على فرض الهيمنة الأمريكية في ظل خفوت ردود الفعل المناهضة لسياسة القوة التي يمارسها ترامب من جهة، وتدهور صورة النظام الديني الإيراني بفعل انتهاكاته الجسيمة لحقوق مواطنيه المناهضين لتدهور الشروط المعيشية، من جهة أخرى.

أولا: إيران / أمريكا.. من التحالف إلى العداء

إذا كانت العلاقة بين البلدين توجد اليوم في منعطف حاسم، فإن ذلك ليس وليد الصدفة، بل إنه إفراز لسلسلة من التطورات، لا تهم البلدين فقط، بل تمتد إلى الجوار الإقليمي المثخن بالأزمات والصراعات.

بعدما كانت إيران تعتبر أهم حليف للغرب ولإسرائيل في عهد الشاه، فإن الثورة الإيرانية ستغير تدريجيا هذا المعطى. ولا شك أن اقتحام السفارة الأمريكية في طهران من طرف عدد من الطلبة، واحتجاز عدد من الدبلوماسيين في نونبر 1979 ردا على سماح إدارة الرئيس كارتر للشاه المخلوع بالدخول للأراضي الأمريكية قصد العلاج، فضلا عن صعود الجناح المحافظ داخل الولايات المتحدة، عاملان سيغيران هذا التحالف. وإذا كانت الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت طيلة الثمانينات أجلت الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل فإن بداية الألفية الثالثة ستكرس القطيعة بين الطرفين. وتجلى ذلك خاصة مع إدراج إيران بعد اعتداءات 11 سبتمبر 2001 ضمن ما سمي في عهد الرئيس بوش الابن محور الشر.

ومن ثم فإن الإستراتيجية الأمريكية باتت تعتبر إيران بمثابة الخطر الأساسي، وخاصة مع إصرار الأخيرة على تطوير برنامجها النووي، ودعم نظام للصواريخ يصل إلى قلب تل أبيب، ومساندة حركات مناهضة لإسرائيل كما هو الأمر بالنسبة لحزب الله وحماس، علاوة على النظام السوري؛ ما جعلها تظهر كدولة مارقة، وكمصدر للإزعاج للنظام الشرق أوسطي، وللأمن العالمي.

من الواضح أن ما وقع في 7 أكتوبر 2023 عمق القطيعة بين الطرفين، وزاد من حدة الدعوات الغربية الرامية إلى مزيد من الضغط على النظام الإيراني لدفعه إلى تغيير سياسته، سواء في ما يتعلق بتحالفاته الإقليمية، أو في ما يخص الملف النووي، أو ترسانته العسكرية، أي بصيغة أخرى تحجيم دوره في المنطقة.

هذا الشعور غذاه الرئيس الأمريكي الذي سبق له خلال فترته الرئاسية الأولى التخلي عن الاتفاق النووي الذي كان أبرم مع إيران في 4 أبريل 2015 بواسطة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا، وبموجبه وافقت إيران على قبول القيود المفروضة على تخصيب الأورانيوم وتخزينه وإعادة النظر في عدة منشآت نووية، علاوة على السماح بزيارة المفتشين لها، مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها من طرف الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي ومؤسسات مالية دولية أخرى.

هذا التوجه المعادي للنظام الإيراني، سواء من طرف أمريكا أو إسرائيل، وأطراف أخرى، سيكرس مع الإستراتيجية التي تبناها بشكل واضح الرئيس الأمريكي بعد إعادة انتخابه في نوفمبر 2024، وهي التي تتلخص إجمالا في إعادة الهيبة والقوة إلى الولايات المتحدة من خلال وسائل وأدوات لا تتقيد بأعراف الدبلوماسية الكلاسيكية.

فالدفاع عن المصالح الأمريكية، كما يدركها ترامب، لم يعد يعبأ كثيرا بعدد من آليات الحكامة الدولية القائمة؛ فتدبير التحالفات لم يعد يرتكز على الاعتبارات الإيديولوجية والأخلاقية، بل بات يرتكز أكثر على سمو المصالح، حتى ولو تطلب الأمر الدخول في تناقضات واضحة مع الحلفاء، كما هو الأمر اليوم بالنسبة للموقف من الحرب الروسية الأوكرانية، أو قضية غرينلاند، أو العلاقة مع كندا. تحقيق المصالح الأمريكية أصبح هدفا ساميا يتحقق إما بالإذعان أو باللجوء إلى وسائل الإكراه، سواء منها الاقتصادية، كما هو الأمر بالنسبة لسلاح الرسوم الجمركية، أو استعمال القوة، كما وقع بالنسبة لضرب المفاعلات النووية الإيرانية في يونيو الماضي، أو بالنسبة لاختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته، وتقديمهما للمحاكمة أمام محكمة أمريكية بدعوى الاتجار بالمخدرات، وهو ما يمثل خرقا واضحا لسيادة الدول.

وتدعم هذه المقاربة بالتنكر لعدد من أشكال الضبط الدولية السائدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، التي تتوخى المساهمة المتعددة، وتفضيل الطرق السلمية لحل الخلافات، كلما كان ذلك ممكنا؛ فنحن الآن أمام توجه جديد يسعى عمليا إلى تقويضها، تارة بدعوى عدم فعاليتها، كما هو الأمر بالنسبة لنظام الأمم المتحدة، وتارة بسبب عدم انصياعها للإملاءات الأمريكية، كما هو الأمر بالنسبة للمؤسسات القضائية الدولية، ولا سيما تلك التي تناهض جرائم الحرب، وتتابع مرتكبيها، كما هو الأمر بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية التي قررت متابعة نتنياهو ووزير دفاعه.

سنة بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض أعلنت الولايات المتحدة انسحابها من ست وستين منظمة واتفاقية دولية، وهي في مجملها لا تساير مصالحها، كما هو الأمر بالنسبة لمجلس حقوق الإنسان، أو اليونيسكو أو المكتب الخاص باللاجئين الأنروا UNRWA؛ كما قررت عقوبات ضد بعض قضاة المحكمة الجنائية الدولية الذين ساهموا في متابعة المسؤولين الإسرائيليين، وكذا المقررة الخاصة للأمم المتحدة حول انتهاكات حقوق الإنسان في غزة فرانسيسكا ألبانز FranciscaAlbanez.

إجمالا فإن عددا من الممارسات الأمريكية اليوم، سواء خارجيا أو حتى داخليا، تعطي الانطباع بأننا بصدد إعادة صياغة نظام دولي لم يعد يقوم على قوة القانون، بل على قانون القوة.

لكن هذه المقاربة الترامبية لا تخلو من مفارقات وحدود، لعل أبرزها الطبيعة المزاجية للرئيس الأمريكي نفسه، الذي يبقى غير متوقع، فهو يسعى إلى الحصول على جائزة نوبل للسلام، ويفتخر بكونه ساهم في حل عدد من النزاعات، لكنه في الوقت نفسه لا يتردد في خطاباته وتصرفاته، مع تأجيج الصراعات، واستهجان كل من يعارض أو ينتقد قراراته؛ فضلا عن ذلك، ورغم هذه النزعة نحو تدبير العلاقات من منطق الصفقات والقوة، فإنه يدرك أن التاريخ يذكر أن المغامرات العسكرية التي قام بها أسلافه وغيرهم كلها باءت بالفشل، ولم تحقق الأهداف المرجوة منها. فسواء تعلق الأمر بأفغانستان أو العراق أو ليبيا، أو السودان اليوم، فهي تقوم شاهدة على الدمار الناجم عن التدخلات العسكرية غير المحسوبة؛ لذلك يسعى ترامب إلى الإبقاء على نوع من التوازن الصعب بين حيوية الدفاع، أولا وأخيرا، عن مصالح أمريكا، وفي الوقت نفسه تجنب الانخراط ما أمكن في مغامرات عسكرية قد تكون وبالا على مستقبله السياسي.

وأخيرا فإن حدود هذه الإستراتيجية الترامبية المندفعة تكمن في درجة مقاومة الأطراف الأخرى لها؛ فكلما كانت واضحة ومتماسكة كلما خففت الإدارة الأمريكية من جموحها، وهو ما لمسناه سواء من خلال الموقف من غرينلاند أو حتى في ما يخص فنزويلا، حيث تأكد أن الهدف ليس هو مصلحة الشعب الفنزويلي، بقدر ما يتعلق بتحقيق مآرب اقتصادية وجيو سياسية مرتبطة بتقليص النفوذ الصيني في المنطقة.

ثانيا: في خصوصية الحالة الإيرانية الراهنة

إذا كان الصراع الأمريكي الإيراني كما أسلفنا ليس وليد اليوم فإنه وصل إلى خط اللارجعة، في حمأة التطورات التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط منذ 7 أكتوبر2023. ولا شك أن المسالة الإيرانية أصبحت تشكل هاجسا للإدارة الأمريكية، والإسرائيلية المعنية بها، بالدرجة الأولى.

وبات السؤال مطروحا حول كيفية تحييد إيران، حتى يتسنى بناء نظام شرق أوسطي ذي هيمنة أمريكية إسرائيلية بدعوى بناء السلام والرفاهية دون الاهتمام فعليا بشعوب المنطقة، كما هو الأمر بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي أصبح الغائب الأكبر في عملية التسوية الرائجة حاليا.

فقد تم بشكل كبير إضعاف إيران بفعل الضربات، سواء تلك الموجهة لحلفائها، خاصة حزب لله، وحركة حماس، وانهيار نظام الأسد في سوريا، أو بفعل الضربات التي وجهت لها مباشرة من طرف أمريكا وإسرائيل، واستهدفت برنامجها النووي، سواء من خلال ضرب مفاعلاته، أو من خلال تصفية عدد من الخبراء البارزين في هذا المجال، علاوة على عدد من الشخصيات العسكرية.

لقد زادت عزلة النظام الإيراني، وتآكلت شرعيته أكثر بفعل القمع الذي استهدف مواطنيه في حمأة المظاهرات ضد غلاء المعيشة، والأوضاع الاقتصادية الصعبة. وبصرف النظر عن تضارب الأرقام حول عدد الضحايا فمن المؤكد أن رد فعل الأجهزة الأمنية الإيرانية وسلطاتها ليس مقبولا، مهما كانت المبررات، ومهما كانت الذرائع المسوقة. فقد شكل ذلك عنصرا إضافيا للتشكيك في شرعية النظام الإيراني، والزيادة في عزلته، تحاول الإدارة الأمريكية الاستناد إليه لتبرير كل ضربة عسكرية.

ومن المؤكد أن ترامب ليس معنيا بمستقبل الديمقراطية في هذا البلد، فبالنسبة له، أسوة بإسرائيل، فإن المهم هو تطبيع إيران، ودفعها إلى الاستسلام في ما يتعلق ببرنامجها النووي، أو في ما يخص برنامج الصواريخ البالستية التي ينبغي أن يتم تحجيم قدراتها حتى لا تشكل خطرا على إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

لذلك مع صعوبة التنبؤ بنوعية الضربة الأمريكية وأهدافها وانعكاساتها المحتملة يتفق أغلب المحللين المتابعين للتصعيد الحالي على أنه مهما كان مآل الضربة الحالية فإنها قد تقتصر على أهداف محددة، وقد لا تفضي إلى إسقاط النظام؛ فمن الناحية الإستراتيجية العسكرية المحضة فإن الترسانة الأمريكية المنتشرة حاليا في الخليج الفارسي لا تعطي الانطباع بأنها مجهزة لحرب طويلة المدى، بل تستهدف بالأساس بعض الأهداف الإستراتيجية المتحكمة في القرار الإيراني، مع انتظار تداعياتها، ومدى استثمارها من طرف قوى داخلية قد تكون مستعدة لتغيير النظام الحالي.

ومن الناحية الإستراتيجية تصعب مقارنة الحالة الإيرانية بحالة فنزويلا، فنحن أمام بلد يتوفر على أكثر من تسعين مليون نسمة. وأكثر من ذلك فإن النظام الإيراني رغم الضربات التي وجهت له، والأزمات المتتالية التي مر بها، فإنه ظل إلى حد الساعة متماسكا بفعل استمرار بعض مصادر المساندة الداخلية، وانتفاء معارضة، أو شخصيات ذات كاريزما، ومصداقية كفيلة بتعويض النظام الحالي.

لذلك يدرك الرئيس الأمريكي، رغم استعراض مظاهر القوة وعوامل الوهن التي تعتري الجسد الإيراني، أن هذه العملية لا ينبغي أن تكون مصدرا لقلاقل يمكن أن تكون لها تداعيات على الاستقرار في المنطقة. وذلك ما تخشاه أغلب الدول المجاورة؛ فالتوصل إلى تفاهمات مع نظام إيراني ضعيف ربما أفضل من مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج.

لكن مع ذلك فإن الحذر واجب، إذ إن الرئيس الأمريكي عود العالم على قرارات وتصرفات قد تكون غير متوقعة.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد