المازوخية: حين يتعلم الإنسان التكيف مع الألم بدل مساءلته

موند بريس / بقلم: دة: سعاد السبع

ليست المازوخية ظاهرة طارئة على النفس البشرية، ولا سلوكا معزولا يمكن فصله عن سياقه الاجتماعي والتاريخي. إنها في جوهرها تعبير مركّب عن علاقة مختلّة بين الفرد وذاته، وبينه وبين محيطه، حيث يتحوّل الألم من تجربة عارضة إلى نمط وجود، ومن استثناء إلى قاعدة غير معلنة. ولهذا السبب تحديدا لا يمكن فهم المازوخية خارج تداخل النفسي بالاجتماعي، ولا خارج سؤال: كيف يتعلّم الإنسان أن يحتمل ما كان يجب أن يرفضه؟
فمن المنظور النفسي لا تُعدّ المازوخية متلازمة تشخيصية قائمة بذاتها، بل دينامية داخلية تتشكّل حين يُعاد تنظيم المعاناة لتصبح مقبولة بل ضرورية.
أما التحليل النفسي الكلاسيكي فربطها بتوجيه العدوان نحو الذات، حين يُمنع التعبير عن الغضب أو الاحتجاج. غير أن هذا التفسير في عمقه يبقى ناقصا ما لم يُقرأ داخل سياق العلاقات الأولى، حيث يتعلّم الفرد – غالبا دون وعي – أن الحب لا يُمنح مجانا، وأن القرب قد يكون مشروطا بالصبر، والتنازل، وتحمل الأذى.

هنا لا يصبح الألم اختيارا، بل لغة تعلّمية. فالذات التي نشأت في مناخ عاطفي متقلّب، أو في بيئة تُكافئ الطاعة وتُعاقب الاعتراض تتشرّب فكرة مفادها أن السلامة العاطفية لا تتحقق إلا بالخضوع. وقد أشار دونالد وينيكوت في حديثه عن “الذات الزائفة” أن الفرد قد يبني صورة متكيّفة عن نفسه فقط ليضمن الاستمرار داخل علاقة لا تسمح له بأن يكون على سجيّته. في هذا السياق تغدو المازوخية أحد أشكال البقاء النفسي.

غير أن هذه الدينامية لا تتغذّى من الداخل فقط، بل تجد في البنية الاجتماعية حاضنة صامتة. فالمجتمعات التي تُقدّس الصبر دون مساءلة، وتُمجّد التضحية دون النظر إلى كلفتها النفسية تُسهم في تطبيع المازوخية وتحويلها إلى فضيلة. حيث يُربّى الأفراد على أن التحمل دليل قوة، وأن الشكوى ضعف، وأن الانسحاب فشل أخلاقي. هكذا يُعاد إنتاج الألم داخل خطاب قيمي يمنحه شرعية اجتماعية، فيختفي الطابع المرضي خلف ستار أخلاقي لامع.

ها كذا يصبح من المشروع الحديث عن مازوخية اجتماعية، حيث يتعلّم الأفراد القبول بأوضاع مجحفة، أو علاقات غير متوازنة، أو أدوار مُنهِكة، باسم الواجب، أو الاستقرار، أو الخوف من النبذ. وقد نبّه بيير بورديو إلى أن العنف الرمزي هو أخطر أشكال العنف لأنه يُمارَس بموافقة ضمنية من الضحية نفسها حين تتبنّى القواعد التي تُخضعها. المازوخية بهذا المعنى ليست خللا فرديا فقط، بل نتيجة اندماج طويل الأمد في بنى لا تُكافئ الاعتراض.

أما في العلاقات العاطفية فتتجلّى هذه السيرورة بوضوح أكبر. فالشخص المازوخي لا يبحث عن الإهانة، لكنه يجد صعوبة في تخيّل الحب دونها. الألم يصبح مؤشرا على العمق، والغيرة المفرطة دليل اهتمام، والتجاهل اختبارا للصبر. ومع الزمن تُعاد صياغة المعاناة لتصبح دليلا على القيمة الذاتية. يقول إريك فروم أن بعض أشكال التعلّق ليست حبّا، بل خوفا من الفراغ حيث يفضّل الفرد علاقة مؤلمة على وحدة تُعيده إلى مواجهة ذاته العارية.

والمفارقة أن هذا النمط لا يستمر فقط بسبب الخوف من الفقد، بل أيضا بسبب الإحساس بالمعنى. فالألم حين يتكرّر يمنح إحساسا بالهوية: أنا من أتحمّل، أنا من يصبر، أنا من يبقى. هنا لا يعود الألم شيئا طارئا يجب التخلص منه، بل عنصرا من عناصر تعريف الذات. وهذا ما يجعل الخروج من المازوخية مسارا بالغ الصعوبة لأنه لا يهدد العلاقة فقط، بل يهدد الصورة التي كوّنها الفرد عن نفسه عبر سنوات.

فمن الزاوية السوسيونفسية يمكن القول إن المازوخية تمثّل التقاء هشاشة داخلية مع ضغط خارجي. ذات لم تُمنَح حق الرفض داخل مجتمع لا يشجّع على قول “لا”. ذات تعلّمت الصمت داخل ثقافة تميل إلى إسكات الأسئلة. في هذا التداخل يصبح الألم حلّا مؤقتا لتناقض عميق بين الحاجة إلى الانتماء والرغبة في الكرامة.

أنا في العلاج فالمازوخية ليست دعوة مباشرة إلى التمرّد، ولا قطيعة فجائية مع كل ما هو مألوف، بل مسار وعي بطيء، مسار يعيد فيه الفرد مساءلة المسلّمات التي حكمت علاقته بذاته وبالآخرين. وقد أشار كارل يونغ أن ما لم يُفهم في الداخل يُعاد تمثيله في الخارج. حيث أن المازوخية ليست إلا إعادة تمثيل متكرّرة لجرح لم يُمنَح يوما حق الكلام.

خلاصة المازوخية ليست متلازمة، ولا انحرافا فرديا معزولا، بل بنية نفسية-اجتماعية تتشكّل عند تقاطع التجربة الشخصية مع شروط اجتماعية تُطبع الألم وتُضفي عليه معنى. وفهمها لا يمرّ عبر الإدانة أو التبسيط، بل عبر تفكيك السياقات التي جعلت من الألم لغة، ومن الصبر قدرا، ومن التنازل هوية. وحده هذا الفهم يفتح أفق التحرّر، لا بوصفه قطيعة عن الآخر بل استعادة متوازنة للذات.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد