متلازمة الشخص “الكُلّي”: حين تُكافئ المجتمعات السيطرة وتُخفي ثمنها النفسي

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

في زمن يُقاس فيه الإنسان بما ينجز لا بما يشعر، ويُمنح فيه الاعتبار لمن لا يتوقف يظهر الشخص “الكُلّي” كمنتج اجتماعي بامتياز. هو ذاك الذي لا يخذل، لا يتأخر، لا ينسحب، ويبدو كأنه حاضر في كل الأمكنة والأدوار. غير أن هذا النموذج الذي يُقدَّم بوصفه مثالا للقوة والمسؤولية يخفي خلف صلابته المعلَنة هشاشة لا يُسمح لها بالظهور.

الشخص “الكُلّي” لا يولد هكذا بل يُصاغ تدريجيًا داخل ثقافة تمجّد السيطرة وتربط الطمأنينة بالإحكام. في هذه الثقافة يُنظر إلى التفويض بوصفه تهاونا، وإلى التراجع كضعف، وإلى الحاجة كخلل في الأداء. وهكذا يتعلم الفرد منذ وقت مبكر أن نجاته الرمزية مرتبطة بقدرته على الإمساك بكل شيء، وكأن الاطمئنان لا يتحقق إلا إذا كان هو مركز الدائرة.

هذا النمط لا يُغذَّى فقط داخل الأسرة، بل تُعيد المؤسسات ترسيخه.
ففي العمل يُكافأ من يتحمل فوق طاقته، ويُحتفى بمن لا يشتكي، ويُقدَّم الشخص “الكُلّي” كنموذج يُحتذى. فكلمات مثل “لا يُعوَّض” و“بدونه تتعطل الأمور” تُقال على سبيل الإشادة، لكنها في العمق تُحمّله عبئا نفسيا مضاعفا إذ يتسلل إلى داخله شعور خفي بأن قيمته مشروطة باستمراره في السيطرة، وأن غيابه ولو المؤقت تهديد لمكانته.

أما اجتماعيا فتتحول السيطرة إلى فضيلة أخلاقية، حيث يُطلب من الفرد أن يكون حاضرا باستمرار، متاحا دائما ومسؤولا عن الجميع. ومع الوقت يفقد هذا الشخص القدرة على التمييز بين المسؤولية الصحية والتحكم القهري لأن المجتمع لا يمنحه لغة بديلة. فإما أن يكون “كُلّيًا” أو يُصنَّف ضمن غير الأكفاء.

أما في العلاقات الإنسانية فتتخذ هذه المتلازمة طابعا أكثر تعقيدا، حيث الشخص “الكُلّي” لا يفرض سيطرته بالقوة، بل عبر الحرص، النصيحة، المتابعة والتدخل المستمر. في اعتقاده أنه يحمي العلاقة من الانهيار، بينما يشعر الطرف الآخر بصمت وبأن المساحة تضيق. فالعناية حين تفقد الثقة تتحول إلى شكل ناعم من الهيمنة لا يُواجَه لأنه مُغلَّف بالحب والنية الحسنة.

ومع تراكم الأدوار يبدأ التعب الاجتماعي في الظهور. فالشخص “الكُلّي” يصبح مرجعا للجميع، لكن لا أحد يسأله كيف حاله. فصورته العامة لا تسمح له بالتعب ولا تُتيح له الانسحاب دون شعور بالذنب. هنا تتحول السيطرة من اختيار إلى التزام قهري، ومن مصدر قوة إلى مصدر إنهاك صامت.

والخطير في هذه المتلازمة أن المجتمع لا يرى أعراضها النفسية إلا متأخرا، لأن التوتر يُفسَّر كحرص، العصبية كجدية، والإنهاك كمرحلة عابرة. بل لا يُسمح لهذا الشخص بأن يتوقف، لأن توقفه يربك توازنا هشا بُني على حضوره المستمر. وهكذا يُدفع دون وعي إلى استنزاف ذاته حفاظا على صورة جماعية صنعتها التوقعات.

وفي العمق إن الشخص “الكُلّي” هو ضحية ثقافة لا تحتمل الفراغ، ولا تثق في السير الطبيعي للأشياء. ثقافة تُعلّم أبناءها أن السيطرة أمان، وأن الإفلات خطر، وأن من لا يمسك بكل الخيوط قد يسقط. لذلك يعيش هذا الشخص في حالة يقظة دائمة كأن العالم على وشك الانهيار في أي لحظة، وكأن دوره الوحيد هو منعه من ذلك.
وللتحرر من هذه المتلازمة، فعلى المستوى الفردي لا يمكن فصله عن مراجعة جماعية أوسع. فحين نُعيد تعريف القوة باعتبارها قدرة على التوازن لا على التحكم، وحين نُعيد الاعتبار للحدود الإنسانية يصبح التفويض فعل نضج لا تقصير، ويصبح التراجع المؤقت شكلا من أشكال الوعي لا الهزيمة.

فالشخص “الكُلّي” لا يحتاج إلى من يطالبه بأن يتخلى عن سيطرته فجأة، بل إلى سياق اجتماعي يسمح له بأن يكون إنسانا قبل أن يكون وظيفة، وبأن يرتاح دون أن يشعر بالذنب. لأن السيطرة المفرطة في نهاية المطاف ليست دليل قوة مطلقة، بل استجابة اجتماعية مشروطة بثقافة تُرهق أفرادها ثم تتساءل عن سبب إنهاكهم.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد