موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
يمثّل الاحتفال بالسنة الأمازيغية في المغرب لحظة خاصة يتقاطع فيها الزمن بالذاكرة، ويخرج فيها الماضي من كونه سردية تاريخية جامدة ليصبح خبرة نفسية معاشة. فـ«يناير» ليس مجرّد بداية تقويم فلاحي قديم، وإنما إيقاع رمزي يعيد ترتيب العلاقة بين الفرد وجذوره، وبين المجتمع وتاريخه العميق.
فمن منظور سوسيونفسي لا يعيش الإنسان الزمن في حياده، بل يحمّله معاني مستمدة من الذاكرة الجماعية التي ينتمي إليها. فالتقاويم، الأعياد، الطقوس… تشكّل جميعها أدوات نفسية لتنظيم الإحساس بالاستمرارية. وعندما يحتفل مجتمع ما بسنة جديدة مرتبطة بجذوره الثقافية، فهو يعيد تثبيت إحساس أفراده بالانتماء، ويمنحهم شعورا داخليا بالثبات في عالم سريع التغيّر.
لقد ظلّت الثقافة الأمازيغية حاضرة في النسيج اليومي للمغاربة، متجذّرة في اللغة المتداولة، في أنماط العيش، في الحكمة الشعبية وفي علاقة الإنسان بالأرض والزمن. هذا الحضور لم يكن دائما مصحوبا باعتراف رمزي واضح استقر في الوجدان كذاكرة معيشة أكثر مما هي معلنة. وتشير التحليلات النفسية إلى أن الذاكرة التي تعيش في الظل لا تختفي، بل تتحوّل إلى شعور دفين بالانتماء غير المكتمل، وإلى حاجة صامتة للاعتراف.
من هنا يكتسب الاحتفال بالسنة الأمازيغية وظيفة نفسية عميقة تتجاوز البعد الاحتفالي. فهو لحظة يلتقي فيها ما عاشه الأفراد داخل أسرهم وجماعاتهم الصغيرة مع ما يُعترف به في الفضاء العام. هذا الالتقاء يخفف من التوتر الداخلي بين الهوية الخاصة والهوية المعلنة، ويعيد للفرد إحساسه بالانسجام مع ذاته الثقافية.
واجتماعيا تؤدي طقوس «إيض يناير» دورا مركزيا في إعادة إنتاج الروابط. فالمائدة الجماعية بما تحمله من رمزية المشاركة والتقاسم تعيد إحياء معنى الاجتماع الإنساني في زمن طغت فيه الفردانية. والحكايات التي تُروى في هذه المناسبة حتى حين تبدو بسيطة تؤدي وظيفة نقل الذاكرة عبر الأجيال، وتمنح الأطفال شعورا بالامتداد داخل تاريخ جماعي يحتضنهم.
أما على المستوى النفسي فإن العودة إلى هذه الطقوس تشبه عودة غير واعية إلى ما يمكن تسميته بـ«المرجع الآمن». فالإنسان حين يشعر بأن له جذورا واضحة يكون أكثر قدرة على مواجهة القلق الوجودي الذي تفرضه التحولات الاجتماعية المتسارعة. ولهذا يشعر كثيرون خلال الاحتفال بيناير بدفء خاص، نابع من الإحساس بأن الذاكرة لا تزال حيّة وقادرة على الاحتواء.
غير أن القيمة السوسيونفسية لهذا الاحتفال تظل مرتبطة بعمق الوعي الذي يصاحبه. فالاحتفال الذي يبقى محصورا في المظاهر الخارجية يفقد جزءا من قوته الرمزية. أما حين يتحول إلى مناسبة للتفكير في معنى التعدد الثقافي، وإلى فضاء للتربية على الاعتراف المتبادل فإنه يسهم في بناء توازن نفسي جماعي أكثر رسوخا.
وفي السياق المغربي حيث تتقاطع الروافد الثقافية وتتشابك الهويات يشكّل الاحتفال بالسنة الأمازيغية فرصة لإعادة صياغة سردية وطنية تقوم على التكامل بدل التنازع. سردية تعترف بأن الذاكرة المشتركة ليست عبئا من الماضي، بل موردا نفسيا واجتماعيا يساعد المجتمع على التماسك في الحاضر.
في الختام لا يحتفل المغرب بالسنة الأمازيغية باعتبارها تاريخا يعود إلى الوراء، وإنما باعتبارها لحظة وعي تعيد للذاكرة مكانتها داخل الذات الجماعية. احتفال صامت في عمقه يقول إن المجتمعات التي تصغي إلى ذاكرتها تمنح أفرادها شعورا أعمق بالأمان وقدرة أكبر على الانتماء واستعدادا أصدق لبناء المستقبل.
قم بكتابة اول تعليق