الهدوء… عاصفة: متلازمة الكتم العاطفي

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

في عالم يثقل فيه صخب الحياة اليومية، وفي زمن يفرض فيه التواصل الرقمي مساحات افتراضية على حساب اللقاءات الحقيقية يبدو كثيرون هادئين، متزنّين حتى باردين أحيانا. لكن وراء هذا الهدوء الظاهر تختبئ عواصف من المشاعر المكبوتة، حزن مكتوم، غضب مكبوت، وقلق داخلي مستمر. هذه الظاهرة النفسية التي يصفها الخبراء بمتلازمة الكتم العاطفي (Emotional Suppression Syndrome) لم تعد مجرد حالات فردية، بل باتت ظاهرة متزايدة في المجتمعات المعاصرة لا تقل تأثيرا على الصحة النفسية والجسدية عن أي اضطراب واضح المعالم.

الكبت العاطفي: درعٌ يحمي أم قيد يكبل؟

الكتم العاطفي غالبا ما ينشأ كآلية دفاعية تطورت منذ الطفولة. فالأطفال الذين نشأوا في بيئات صارمة أو انتقادية حيث يُعاقب التعبير عن الحزن أو الغضب يتعلمون مبكرا أن التظاهر بالقوة والهدوء وسيلة للبقاء آمنين. ومع الوقت يتحول هذا التظاهر إلى نمط حياة. يقول الدكتور جوناثان هاريس وهو أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد: “الأطفال الذين يكبتون مشاعرهم لتجنب العقاب أو النقد قد يصبحون كبارا يعانون صعوبة في التعاطي مع أي صراع عاطفي حتى البسيط منه.”
وفي مرحلة البلوغ تتحول هذه الآلية الدفاعية إلى عادة نفسية حيث يشعر الشخص بأن عليه الاستمرار في كبت أي مشاعر حتى لا يفقد السيطرة على محيطه الاجتماعي أو صورة ذاته أمام الآخرين. وهنا يبدأ الصمت الداخلي في أن يتحول إلى عبء ثقيل غير مرئي، لكنه مؤثر بشكل بالغ على الصحة النفسية والجسدية.

علامات صامتة: كيف تعرف أن هناك عاصفة مخفية؟

الكتم العاطفي ليس دائما واضحا للآخرين، وقد يبدو الشخص طبيعيا أو متزنا إلى حد بعيد، لكنه يحمل داخله شعورا دائما بالضغط. وهناك بعض العلامات التي قد تشير إلى وجود متلازمة الكتم العاطفي مثل:
* الانعزال الاجتماعي: رغم التواصل اليومي يفضل الشخص البقاء بمفرده أو الانسحاب من المناقشات العاطفية.

* التقلبات المزاجية المفاجئة: لحظات من الغضب أو الاكتئاب قد تظهر بشكل مفاجئ وأحيانا على شكل انفجارات قصيرة غير متوقعة.

* الاحتفاظ بالمشاعر الداخلية: الشخص لا يشارك الآخرين أفراحه أو أحزانه ويبدو دائما “هادئا” رغم الصراعات الداخلية.

* الإجهاد الجسدي المستمر: أحيانا يظهر الألم النفسي على شكل صداع، أرق، اضطرابات هضمية أو شعور دائم بالإرهاق.

هذه العلامات تشير إلى أن الهدوء الظاهري ليس دائما انعكاسا للسعادة أو التوازن، بل أحيانا هو قناع يحجب عاصفة داخلية.

خلف الصمت: العواقب النفسية والجسدية

أثبتت الدراسات الحديثة أن الكبت العاطفي الطويل الأمد يرتبط بمشكلات متعددة، منها:

1. الصحة النفسية: ارتفاع احتمالية الإصابة بالاكتئاب، اضطرابات القلق، والشعور بالفراغ الداخلي المستمر.

2. الصحة الجسدية: وجود صلة قوية بين الكبت العاطفي واضطرابات القلب، ضغط الدم، ومشكلات الجهاز المناعي.
وتشير دراسة نشرتها المجلة الأمريكية للطب النفسي إلى أن الأشخاص الذين لا يعبرون عن مشاعرهم يواجهون مخاطر أعلى بنسبة 35% للإصابة بأمراض القلب مقارنة بمن يعبّرون عن مشاعرهم بطريقة صحية.

3. العلاقات الاجتماعية: صعوبة التواصل العاطفي تؤدي إلى توتر العلاقات الزوجية، الأسرية وحتى المهنية، حيث يُساء تفسير الصمت أو الهدوء الظاهري على أنه برود أو عدم اهتمام.

وفي الواقع الكبت العاطفي يحوّل الشخص إلى نفق داخلي ضيق حيث تتصاعد العواطف المكبوتة حتى تصبح أحيانا خارج السيطرة، فتظهر في لحظات من الانفجار النفسي، الصراخ، أو الانعزال الطويل.

سبل التحرر: كيف نخفف من وطأة الصمت الداخلي

الاعتراف بالمشاعر ومواجهتها هو الخطوة الأولى نحو الشفاء النفسي. يمكن اتباع بعض الاستراتيجيات العملية:

1. التعبير الكتابي: تدوين المشاعر والأفكار اليومية في دفتر خاص يساعد على تنظيم العواطف والتفريغ النفسي دون خوف من الحكم أو النقد.

2. الممارسات التأملية: مثل التأمل، اليقظة الذهنية (Mindfulness)، أو اليوغا والتي تساعد على تهدئة الأعصاب وتفريغ التوتر المكبوت.

3. العلاج النفسي: جلسات العلاج الفردي أو الجماعي توفر مساحة آمنة لمناقشة المشاعر، تعلم استراتيجيات صحية للتعبير عنها وفهم جذورها.

4. بناء شبكة دعم اجتماعي: الأصدقاء أو العائلة الذين يستمعون بصبر دون الحكم يخففون من شعور الشخص بالعزلة ويشجعونه على التعبير عن ذاته.

كما ينصح الخبراء بمحاولة إدماج الفن كوسيلة تعبيرية سواء كان الرسم، الموسيقى أو الكتابة الإبداعية… فهذه الوسائل تمنح المشاعر المكبوتة مخرجا صحيا وتعيد التوازن النفسي للشخص تدريجيا.

الهشاشة خلف القوة

متلازمة الكتم العاطفي تكشف لنا أن الهدوء الظاهري لا يعني دائما السلام الداخلي. ووراء كل شخص يبدو متزنا قد تختبئ عاصفة من المشاعر المكبوتة التي تنتظر لحظة الانفجار أو التعبير. ومعرفة هذه الظاهرة، فهم جذورها والسعي نحو التعبير الصحي عن المشاعر يمثل خطوة حقيقية نحو التوازن النفسي وإعادة الربط بين الذات والآخرين.
“إن أعظم قوة ليست في القدرة على صمت العاصفة بل في الشجاعة للاعتراف بها”.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد