موند بريس / دة. سعاد السبع
في المشهد الاجتماعي اليومي يُحتفى بذلك الشخص الذي يعرف كيف يهدّئ، يحتوي ويخفف الألم بكلمة أو حضور. يُستدعى عند الأزمات، ويُستأنس به في لحظات الانكسار، ويُحمَّل فوق طاقته لأنه “يقدر”. غير أن المجتمع وهو يصفق لهذا العطاء، نادرا ما يسأل عن كلفته النفسية، أو عمّا يتآكل بصمت داخل من تحوّل إلى مسكِّن إنساني دائم.
هذه الظاهرة التي يمكن توصيفها بمتلازمة الشخص المُسكِّن تكشف خللا عميقا في ثقافة تُجيد استهلاك التعاطف أكثر مما تُجيد حمايته.
حين يتحوّل الاحتواء إلى واجب غير معلن
الشخص المُسكِّن لا يُكلَّف رسميا بدور الدعم، لكنه يُدفع إليه تدريجيا، فتتشكل حوله توقعات غير منطوقة، ويُفترض فيه أن يكون حاضرا دائما، متوازنا دائما، قادرا دائما. ومع الوقت يتماهى مع هذا الدور ويبدأ في قياس قيمته بمدى نفعه للآخرين.
يشير كارل روجرز أحد رواد علم النفس الإنساني إلى أن الإنسان حين يُحب مشروطا بما يقدّمه يتعلم أن يخفي أجزاءه غير المرغوب فيها. وهكذا يتعلم الشخص المُسكِّن أن يؤجل تعبه، وأن يُخفي هشاشته، وأن يقدّم نسخة منه مقبولة اجتماعيا، حتى وإن كانت هذه النسخة تستنزفه.
مجتمع يُكافئ التضحية ويصمّ آذانه عن الانهاك
من منظور سوسيو-نفسي لا يمكن عزل هذه المتلازمة عن سياق اجتماعي يُمجّد التضحية، خاصة لدى النساء، أو لدى من يُصنَّفون “عقلاء العائلة” و“دعامة الجماعة”. يُربّى الفرد على أن الصبر فضيلة، وأن التحمل قوة، وأن الشكوى ضعف مقنّع.
غير أن إريك فروم كان واضحا حين نبّه إلى أن الحب الناضج يفترض رعاية الذات بقدر رعاية الآخر، لأن من يستنزف نفسه باسم العطاء، لا يمارس حبًا، بل يُعيد إنتاج نمط من الإنكار الذاتي. وهنا تكمن المفارقة: المجتمع يمدح المُسكِّن ما دام يعطي، ويتراجع خطوة إلى الوراء حين يحتاج هو إلى من يلتقط أنفاسه.
الاستنزاف الصامت: التعب الذي لا يملك لغة
ما يجعل هذه المتلازمة خطيرة أن أعراضها لا تكون صاخبة. لا انهيارات درامية، ولا طلبات استغاثة واضحة. هناك فقط تعب متراكم، ضيق داخلي، وشعور بأن الذات تُستنزف دون مقابل عاطفي حقيقي.
تنسجم هذه الحالة مع ما وصفته بريني براون حين أكدت أن غياب الحدود لا يصنع تعاطفا صحيا، بل يولّد إنهاكا مشوبا بالاستياء. فالشخص المُسكِّن يعطي لأنه يشعر أن عليه ذلك، لا لأنه يختار بحرية، ومع الوقت يتحوّل العطاء إلى عبء نفسي ثقيل.
العلاقات غير المتكافئة: حين يصبح اللطف عملة رخيصة
في العلاقات الإنسانية يُساء فهم اللطف غالبا بوصفه موردا لا ينفد. ومع غياب الحدود يتعوّد الآخرون على الأخذ دون سؤال، وعلى التفريغ العاطفي دون وعي بالأثر. هنا يصبح الشخص المُسكِّن طرفا ثابتا في علاقات مختلّة التوازن، يُعطي أكثر مما يُؤخذ بعين الاعتبار.
وقد عبّر يونغ بدقة عن هذا المأزق حين أشار إلى أن ما لا نمنحه وعينا الكافي يعود إلينا في صورة معاناة. فالمُسكِّن الذي لا يُصغي إلى صوته الداخلي يجد نفسه يوما ما غارقا في ضيق لا يعرف مصدره، لأنه طالما كان منشغلا بآلام الآخرين.
أخطر أشكال الخسارة: التباعد عن الذات
في مرحلة متقدمة لا يعود الخطر في تعب الجسد أو إنهاك المشاعر فقط بل في فقدان البوصلة الداخلية. ينسى الشخص ما يريد، وما يشعر، وما يحتاج. يعيش وفق طلبات الخارج، ويؤجل الداخل إلى أجل غير مسمى.
وتصف الفيلسوفة سيمون فايل هذا الوضع بقولها إن الانتباه هو أندر أشكال الكرم. والمفارقة أن الشخص المُسكِّن يمنح انتباهه للجميع، بينما يُحرم منه ذاتيا فيتحوّل إلى غريب عن نفسه، مألوف للجميع.
استعادة التوازن: العطاء الذي لا يلتهم صاحبه
التعافي من هذه المتلازمة لا يمر عبر القطيعة مع التعاطف وإنما عبر إعادة تعريفه. يتطلب الأمر شجاعة الاعتراف بالتعب، وجرأة وضع الحدود، والقبول بأن الذات ليست فائضا يمكن استهلاكه بلا حساب.
فالإنسان الذي يُجيد مداواة الآخرين يحتاج بدوره إلى من يعترف بإنسانيته خارج أدواره. كما يقول فروم أن الإنسان لا يكون معطاء حقا إلا حين يكون حاضرا مع نفسه، واعيا بحدوده، قادرا على العطاء دون أن يفقد ذاته في الطريق.
متلازمة الشخص المُسكِّن تكشف خللا أخلاقيا واجتماعيا أكثر مما تكشف ضعفا فرديا. إنها مرآة لمجتمع يُحسن استهلاك الطيبة، ويُسيء حماية أصحابها. ولعل أول خطوة نحو التصحيح تكمن في طرح سؤال بسيط ومؤلم في آن واحد:
من يعتني بالذين اعتنوا بالجميع؟
قم بكتابة اول تعليق