موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
يتكرّر مشهد الظلم في الحياة اليومية بأشكال متعددة، كلمة تُقال خارج حدود الاحترام، قرار مجحف يُتخذ في وضح النهار، إقصاء يُمارَس داخل مؤسسة أو جماعة. وغالبا ما يُحاط هذا المشهد بحلقة واسعة من الشهود الذين يدركون ما يحدث، لكنهم يختارون الانسحاب الصامت. هذا الصمت لا يكون عفويا ولا بريئا، بل يتشكل داخل شبكة معقدة من المخاوف والحسابات النفسية والاجتماعية، وهو ما يُعرف بمتلازمة الشاهد الصامت.
فمن الزاوية النفسية يمثّل الصمت استجابة داخلية لحالة تهديد. والفرد الذي يشهد ظلما يمرّ بصراع بين وعيه الأخلاقي وحاجته إلى الأمان. هذا الصراع يدفع العقل إلى البحث عن توازن مؤقت فيلجأ إلى تبريرات تُخفف من التوتر الداخلي مثل التقليل من خطورة الفعل أو إقناع الذات بأن التدخل قد يؤدي إلى نتائج أسوأ.
ويشير ألبرت باندورا في حديثه عن تعطيل الضبط الأخلاقي إلى أن الإنسان قادر على تحييد قيمه مؤقتا عندما يشعر أن الالتزام بها سيكلّفه ثمنا مرتفعا. غير أن هذا التعطيل لا يُلغي الأثر النفسي بل يؤجله حيث يتحول مع الوقت إلى عبء داخلي يظهر في القلق والشعور بالذنب وفقدان الانسجام مع الذات.
ويعد؟ الخوف من الخسارة المحرك المركزي لهذا الصمت. كخسارة العمل أو السمعة أو القبول داخل الجماعة حيث تُدرَك كتهديدات وجودية خصوصا في مجتمعات تُعلّق قيمة الفرد على موقعه الاجتماعي ومردوديته.
وفي هذا السياق يصبح الصمت خيارا وقائيا يُمكّن الفرد من الاستمرار دون صدام مباشر مع السلطة أو الجماعة.
ويشير عالم الاجتماع زيغمونت باومان إلى أن هشاشة العلاقات في المجتمعات المعاصرة تدفع الأفراد إلى سلوكيات حذرة حيث يُفضَّل السلام الظاهري على المواجهة الأخلاقية.
أما سوسيولوجيا فلا يمكن فصل متلازمة الشاهد الصامت عن البنى التي تنتجها، فهناك مؤسسات وأنظمة عمل تُعلي من شأن الامتثال، وتربط الاستقرار بالانضباط، وتُحوّل الاعتراض إلى مصدر إزعاج. وفي مثل هذه البيئات يتعلم الأفراد أن الصمت مهارة اجتماعية، وأن الكلام قد يُقرأ بوصفه خروجا عن الصف.
كما تُسهم ديناميات الجماعة في ترسيخ هذا السلوك إذ يذوب الإحساس بالمسؤولية الفردية كلما زاد عدد الشهود، وهي الظاهرة التي وثّقها علم النفس الاجتماعي تحت مسمى تشتت المسؤولية.
وتكمن خطورة الصمت في آثاره التراكمية، فعلى المستوى الفردي يؤدي تكرار الصمت إلى تآكل الحس الأخلاقي، ويُضعف صورة الذات بوصفها فاعلا أخلاقيا. أما على المستوى الجماعي فيسمح الصمت بتطبيع الظلم وتحويله إلى جزء من المشهد اليومي، ما يُفرغ القيم من محتواها العملي.
ويشير فيكتور فرانكل إلى أن الإنسان حين يتنازل عن مسؤوليته الأخلاقية يفقد جزءا من المعنى الذي يمنح حياته تماسكها الداخلي.
في حين أن الانتقال من الصمت إلى الشهادة لا يتحقق عبر الاندفاع أو الخطاب الوعظي، بل عبر إعادة بناء شروط الأمان النفسي والاجتماعي. وحين يشعر الفرد أن صوته محمي وأن الشهادة لن تقوده إلى الإقصاء أو العقاب يصبح الكلام ممكنا. كما أن تحويل الشهادة إلى ممارسة جماعية يخفف من وطأة الخوف ويُعيد توزيع المخاطر ويمنح الفعل الأخلاقي قوة أكبر.
في هذا السياق يتحمّل الإعلام والمثقفون والفاعلون المدنيون مسؤولية مضاعفة في كسر دائرة الصمت عبر تسليط الضوء على الممارسات الظالمة، وحماية الأصوات الشاهدة، وبناء سرديات تُعيد الاعتبار لفعل الشهادة بوصفه ضرورة اجتماعية. وقد لخّص إدموند بيرك هذا المعنى بقوله إن الشر يجد طريقه حين يختار الصالحون موقع المتفرج.
وتعكس متلازمة الشاهد الصامت علاقة غير متوازنة بين الفرد والسلطة، وبين الضمير والخوف. فهي تطرح سؤالا أخلاقيا عميقا حول الثمن الذي ندفعه مقابل الصمت والثمن الذي يمكن أن يدفعه المجتمع حين يتحول هذا الصمت إلى قاعدة.
ففي المسافة بين الرؤية والكلمة تتحدد ملامح العدالة، ويتقرر إن كان الظلم سيظل حدثا معزولا أم واقعا مستمرا
قم بكتابة اول تعليق