موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
لم يعد الإنسان يعيش حياته بوصفها تجربة ذاتية تُعاش من الداخل، بل صار يعيشها بوصفها مادة قابلة للقياس والمقارنة. في هذا السياق لم تعد المقارنة مجرد سلوك عابر أو آلية اجتماعية طبيعية، بل تحوّلت إلى متلازمة نفسية صامتة تعيد تشكيل الوعي بالذات على نحو قاسٍ، وتجعل الفرد حاضرا في حياة الآخرين أكثر مما هو حاضر في حياته.
إن السؤال الذي كان يُطرح بدافع الفضول أو التعلم ماذا يفعل الآخرون؟ أضحى سؤالا وجوديا ثقيلا يحمل في طياته حكما ضمنيا على الذات: لماذا لستُ مثلهم؟ ولماذا لا تسير حياتي بالوتيرة ذاتها؟
من المقارنة كوعي اجتماعي إلى المقارنة كاستنزاف نفسي
المقارنة في أصلها وسيلة لفهم الموقع داخل الجماعة. غير أن خطورتها تبدأ حين تتحول إلى مرجعية داخلية ثابتة لتقدير الذات. عند هذه النقطة لا يعود الإنسان يقيم ذاته انطلاقا مما يعيشه أو ينجزه، بل مما يراه عند الآخرين، فتغدو الذات مشروعا دائما للمراجعة والنقص.
وليس عبثا أن يختصر جان بول سارتر هذه العلاقة المأزومة بقوله إن “الآخر هو الجحيم”، ليس لأن الآخر مصدر تهديد مباشر، بل لأن النظر إليه بوصفه معيارا دائما يجعل الذات ساحة محاكمة لا تنتهي. ففي متلازمة المقارنة المزمنة لا تُقاس الحياة بما تحمله من معنى، بل بما تحققه من تشابه مع حياة الآخرين.
العالم الرقمي: حين تصبح المقارنة نمط عيش يومي
مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي خرجت المقارنة من المجال الضيق إلى فضاء مفتوح بلا حدود. لم يعد الفرد يقارن نفسه بجيرانه أو زملائه فقط، بل بأشخاص من ثقافات ومسارات وسياقات مختلفة، تُعرض حياتهم في نسخ مثالية منتقاة بعناية.
في هذا المشهد تتحقق مقولة زيغمونت باومان حول الإنسان المعاصر الذي تُقاس قيمته بمدى قابليته للمقارنة. فالعرض المستمر للنجاح والسعادة والإنجاز… لا يُقدَّم بوصفه تجربة إنسانية معقّدة، بل كمنتج جاهز ما يدفع المتلقي إلى مقارنة واقعه غير المكتمل بصور مكتملة زائفة، فتتآكل ثقته بنفسه دون أن يدرك السبب.
التآكل الداخلي للذات: حين يتحول الطموح إلى قلق
تعمل متلازمة المقارنة المزمنة على إعادة برمجة العلاقة مع الطموح. فالنجاح لا يعود هدفا ذاتيا ينبع من الرغبة الداخلية، بل يصبح استجابة لضغط خارجي غير مرئي. وهنا تتجلى تلك الفجوة التي تحدث عنها كارل روجرز بين الذات الواقعية والذات المثالية، فجوة تتسع كلما استند الفرد إلى معايير لا تشبهه ولا تنتمي إلى سياقه النفسي والاجتماعي.
النتيجة ليست فقط شعورا عابرا بالنقص، بل حالة مستمرة من القلق الوجودي حيث ينجز الفرد كثيرا دون أن يشعر بالاكتفاء، ويصل إلى محطات كان يحلم بها دون أن يجد فيها الطمأنينة. وكأن النجاح ذاته يصبح سجنا حين يُبنى على المقارنة لا على المعنى.
حين نفقد المعنى الشخصي للنجاح
في ظل هذا الاضطراب يغدو النجاح مفهوما مُفرغا من مضمونه الإنساني. فكما يشير ألبير كامو: ليست السعادة في التفوق على الآخرين، بل في الانسجام مع الذات. غير أن المقارنة المزمنة تسرق هذا الانسجام لأنها تُحوّل المسار الفردي إلى سباق جماعي لا نهاية له، حيث لا يوجد خط وصول حقيقي بل فقط آخرون سبقوا أو سيسبقون.
وهكذا يتشكل وعي مأزوم يرى الحياة بوصفها تأخرا دائما مهما تحقق فيها من إنجاز.
التحرر من المقارنة: استعادة الحق في التفرد
التحرر من المقارنة لا يعني إنكار وجود الآخرين أو الانفصال عن المجتمع، بل يعني إعادة تعريف العلاقة معهم. فكما يرى إريك فروم فإن المقارنة تقتل التفرد، والتفرد هو جوهر الصحة النفسية. وما لم يستعد الإنسان حقه في أن يكون مختلفا سيظل أسير محاكاة لا تنتهي.
التحول الحقيقي يبدأ حين ينتقل السؤال من “أين أنا مقارنة بالآخرين؟” إلى “أين أنا مقارنة بذاتي بالأمس؟”، وحين يُعاد بناء النجاح باعتباره تجربة شخصية لها توقيتها الخاص، لا نسخة مستنسخة من مسارات الغير.
حين نتوقف عن النظر خارجا… نبدأ في العيش
متلازمة المقارنة المزمنة ليست خللا فرديا بقدر ما هي انعكاس لثقافة تقيس القيمة بالظهور، والسعادة بالمقارنة، والنجاح بالتشابه. غير أن استعادة الحياة تبدأ لحظة يدرك الإنسان أن وجوده لا يحتاج إلى إثبات دائم، وأن معناه لا يُستمد من سباق مع الآخرين، بل من صدقه مع ذاته.
فحين نتوقف عن قياس حياتنا بحياة غيرنا، لا نخسر شيئا…
بل نستعيد أنفسنا.
قم بكتابة اول تعليق